دراسة تطبيقية للحالات الفلسطينية والإيرانية والفنزويلية

نسعى في هذه المقالة المختصرة لتسليط الضوء على شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وتحليل تأثير المتغير السيكولوجي في عملية صنع القرار في السياسة الخارجية الأمريكية، انطلاقاً مقاربة تحليل السياسة الخارجية التي تؤكد أهمية استحضار وتوظيف العوامل الإدراكية والنفسية في تفسير سلوك الدول والقادة، إلى جانب العوامل البنيوية التقليدية المرتبطة بتوازن القوى والمصالح الاستراتيجية. وذلك من خلال تحليل السمات القيادية والسيكولوجية المرتبطة بالنرجسية السياسية، والتقلب في المواقف، مع توظيف قرار ترمب نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس بوصفه نموذجًا لانعكاس العامل السيكولوجي وتأثيره على صناعة القرار (وهي إحدى دراساتي المنشورة في مجلة دراسات إقليمية، جامعة الموصل، العدد 40 عام 2018). وهو يعكس تفاعل العوامل الشخصية مع الاعتبارات الاستراتيجية، بهدف فهم طبيعة التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية الأمريكية خلال تلك المرحلة، وإمكانية انعكاسها على مستويات الاستقرار، أو التصعيد في النظام الإقليمي الشرق أوسطي.
ومن هنا، شهد حقل العلاقات الدولية خلال العقدين الماضيين تحولاتٍ ملحوظةً في الأدوات والأنماط التحليلية، حيث اتجهت الأدبيات في هذا الحقل إلى تجاوز التفسيرات البنيوية التي قدمتها المدرسة الواقعية القديمة (التقليدية)، والتي ركزت أساسًا على توزيع القدرات في النظام الدولي. وقد فتح هذا التحول المجال أمام مقاربات تحليلية تركز على دور الفاعل وصانع القرار في تفسير سلوك الدول والقادة، وفي مقدمتها مقاربة تحليل السياسة الخارجية التي تؤكد أن الدولة لا تتصرف بوصفها وحدة مجردة، بل من خلال قادتها الذين يقومون بتفسير البيئة الدولية، واتخاذ القرارات بناءً على سيكولوجيتاهم الخاصة.
في هذا السياق تبرز أهمية دراسة السمات الشخصية للقائد بوصفها متغيرًا تفسيريًا يمكن أن يساهم في فهم طبيعة القرارات الاستراتيجية التي تتخذها الدول. وتكتسب هذه المقاربة أهميةً خاصةً عند دراسة دور القيادة السياسية في القوى العظمى والكبرى، أو المؤثرة، حيث يمكن لقرارات القادة أن يكون لها تأثير مباشر في توازنات النسق الدولي.
تشكل تجربة الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب" حالة مهمة في هذا المجال، نظرًا لما يتسم به أسلوبه في القيادة من خصائص غير تقليدية في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية. فقد ارتبطت قيادته بنمط من الخطاب السياسي الحاد، وبنزعة واضحة نحو الشخصنة في اتخاذ القرار، ناهيك عن ميله الملحوظ تجاه القرارات الرمزية التي تهدف إلى إحداث تحولاتٍ سياسيةٍ واستراتيجيةٍ ذات دلالة قوية.
لذا، تؤكد أدبيات علم النفس السياسي أن القادة لا يتفاعلون مع البيئة الدولية بطريقة موضوعية بحتة، بل من خلال مجموعة من التصورات الإدراكية والسمات الشخصية التي تؤثر في طريقة فهمهم للأحداث والتهديدات. ومن هنا يصبح تحليل شخصية القائد جزءًا مهمًا من دراسة عملية صنع القرار في السياسة الخارجية.
وتشير العديد من الدراسات إلى أن القادة الذين يتمتعون بدرجات مرتفعة من النرجسية يميلون إلى تبني سياسات خارجية أكثر جرأة، فالنرجسية عادةً ما ترتبط برغبة قوية في تعزيز المكانة الشخصية للقائد، وتحقيق إنجازات تاريخية تعزز صورته القيادية. وفي هذا السياق، يفضل القائد النرجسي القرارات ذات الطابع الرمزي، حتى لو انطوت على قدرٍ من المخاطرة الاستراتيجية.
وفي حالة الرئيس ترمب، بينت العديد من الدراسات أن شخصيته تجمع بين النرجسية والنزعة الشعبوية والاندفاعية في اتخاذ القرار. وهو ما انعكس على طريقة وأسلوب إدارته للسياسة الخارجية الأمريكية، حيث اتسمت بعض قراراته بالجرأة السياسية، إضافة إلى ميله إلى اتخاذ قرارات مفاجئة تعكس رغبته في إحداث تحولات سياسية لافتة.
ففي الحالة الفلسطينية، يُعد قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس عام 2017م، من أبرز القرارات الاستراتيجية التي اتخذتها إدارة ترمب، نظرًا لما انطوى عليه من أبعاد سياسية عميقة في سياق الصراع العربي- الإسرائيلي. وقد مثل هذا القرار تحولًا واضحًا في السياسة الخارجية الأمريكية التقليدية التي سعت لعقود إلى تأجيل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل لحين الوصول لتسوية سلمية.
وعند تحليل هذا القرار، قد يتطلب الأمر تجاوز التفسيرات التي تركز حصريًا على الاعتبارات الاستراتيجية، فالقرار يعكس تأثير العامل السيكولوجية كمؤثر في عملية صنع القرار. وتؤكد أن القرار جاء في سياق سعي القيادة الأمريكية إلى تقديم خطوة سياسية كبرى تعكس صورة القيادة القادرة على اتخاذ قرارات تاريخية كما يعتقد ترمب. كما يعكس القرار درجة من الشخصنة السياسية في القرار الاستراتيجي الأمريكي خلال تلك المرحلة، حيث أصبح دور القيادة التنفيذية أكثر وضوحًا في صياغة بعض الخيارات الاستراتيجية، مقارنة بما كان عليه الحال في الإدارات الأمريكية السابقة التي كانت فيها المؤسسات البيروقراطية تلعب دورًا أكثر تأثيرًا في تحديد مسار السياسة الخارجية.
وفي الحالة الإيرانية، اتسمت السياسة الأمريكية بدرجة عالية من التصعيد السياسي والاقتصادي، تمثلت في الانسحاب من الاتفاق النووي في أيار/مايو 2018م، وتشديد نظام العقوبات على طهران، وانتهت بشن حرب محدودة في حزيران/ يونيو 2025م، وحرب شنتها بالتعاون مع إسرائيل قبل أيام ولا يعرف أحد متى وكيف ستنتهي.
أما في الحالة الفنزويلية، فقد تبنت إدارة ترمب موقفًا حادًا تجاه حكومة "نيكولاس مادورو"، وفرضت عليها عقوبات سياسية واقتصادية قاسية، انتهت باختطافه الرئيس مادورو واقتياده مكبلاً إلى الولايات المتحدة. هذا الموقف يعكس استعدادًا واضحًا لاستخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري في محاولة إحداث تغيير في موازين القوى الداخلية الفنزويلية.
وفي هذا السياق، تشير أدبيات علم النفس السياسي أن القيادة النرجسية يمكن أن تساهم بارتفاع مستوى المخاطرة في السياسة الخارجية. فالقائد الذي يولي أهميةً كبيرة للهيبة والزعامة والرمزية قد يميل إلى تفسير التحديات الدولية بوصفها اختبارات لمكانته القيادية، وهو ما قد يدفعه إلى تبني مواقف أكثر تشدداً وتصعيدًا في مواجهة الخصوم.
باعتقادي، أن الجمع بين النرجسية السياسية، والتقلب في المواقف قد يؤدي إلى حالة من "عدم اليقين الاستراتيجي" في النظام الدولي. فالتقلب في المواقف السياسية قد يربك حسابات الخصوم والحلفاء على حد سواء، في حين أن الخطاب السياسي التصادمي يسهم في رفع مستوى التوتر في العلاقات الدولية. وبالتالي، فإن هذا النمط من القيادة قد يزيد من احتمالات التصعيد في الأزمات الدولية، خاصة في المناطق التي تتسم بحساسية جيوسياسية كالشرق الأوسط. حيث تعد هذه المنطقة من أكثر المناطق أهميةً وهشاشةً في النظام الدولي، نظرًا لتشابك الصراعات الجيوسياسية والاعتبارات الأيديولوجية فيها. وفي مثل هذه البيئات المعقدة والغير مستقرة، يمكن لأي تحول في سياسات القوى الكبرى أن تؤدي إلى إعادة تشكيل معادلات التوازن والردع على حدٍ سواء. فالتصعيد الخطابي، أو اتخاذ قرارات استراتيجية مفاجئة قد يؤدي إلى إطلاق سلسلة من ردود الفعل المتبادلة بين القوى الإقليمية، وهو ما قد يرفع من احتمالات توسيع نطاق الصراعات والحروب.
ختاماً، إن تحليل السياسة الخارجية الأمريكية لا يقتصر على العوامل البنيوية المرتبطة بتوازن القوى والمصالح الاستراتيجية، بل ينبغي أن يأخذ في الاعتبار أيضًا دور المتغير القيادي في عملية صنع القرار. الأمريكي، وتكشف دراسة شخصية ترمب (انطر: ابراهيم عبيد، ترمب شخصية نرجسية متقلبة، على موقع مسار الإخباري) عن أهمية السمات السيكولوجية للقادة في تفسير بعض التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية الأمريكية خلال فترة رئاسته.
كما يوضح تحليل قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وأزمة الملف النووي الإيراني، والحالة الفنزويلية تفاعلًا معقدًا بين الاعتبارات البنيوية للنظام الدولي، وبين السمات الشخصية لصانع القرار. ومن ثم، فإن اخضاع التحليل النفسي للقائد السياسي في دراسة العلاقات الدولية يبقى ضروريًا لفهم ديناميات القرار الاستراتيجي، خاصة في ظل تزايد دور الأفراد في تشكيل مسارات التوازنات الدولية.