وأي تغيير سيحسم مستقبلهما

بعد سنوات من تلقي الدعم من إيران ومن قطر في الوقت نفسه، تلتزم حركة حماس الصمت وتنتظر لمعرفة مآلات المواجهة. لكن أكثر ما يقلق الحركة، وفق تقديرات مصادر مطلعة، هو احتمال سقوط النظام في طهران، إذ قد يؤدي ذلك إلى توقف الدعم المالي والعسكري الذي تعتمد عليه الحركة والجهاد الإسلامي، وما قد يرافقه من تداعيات بعيدة المدى على نشاطهما.
تضع الحرب مع إيران حركتي حماس والجهاد الإسلامي أمام معضلة معقدة. فقيادة التنظيمين تدرك أن أي تصريح علني قد يُفسَّر على أنه انحياز إلى أحد طرفي الصراع الإقليمي: إيران من جهة، ودول الخليج من جهة أخرى. وعلى مدى سنوات طويلة كانت إيران المصدر الرئيسي للدعم العسكري لهاتين الحركتين، لكن في الوقت نفسه يقيم العديد من قادة حماس اليوم في قطر. والعلاقة بين الدوحة وطهران معقدة بطبيعتها، حتى في الأيام التي لا تتعرض فيها قطر لهجمات بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة الإيرانية. وحتى لو لم تكن قطر، فإن تركيا أو لبنان أيضاً لن يوفرا بالضرورة ظروفاً مريحة أو حرية حركة كاملة للتنظيمين.
إذا أدانت قيادة حماس الهجمات على إيران، فقد تُغضب دول الخليج التي تتعرض بدورها لهجمات إيرانية. وإذا التزمت الصمت، فقد يُفهم ذلك على أنه ابتعاد عن حليف قديم في لحظة حرجة. ويقول مسؤول فلسطيني على اتصال مع التنظيمين:
"الصمت جزء من الاستراتيجية. الكلام مشكلة، والصمت أيضاً مشكلة، لكن في هذه المرحلة يختارون الخيار الأقل كلفة".
وتقدّر مصادر فلسطينية وعربية أن السيناريو الأكثر إثارة للقلق لدى حماس والجهاد الإسلامي هو انهيار النظام الإيراني أو حدوث تغيير عميق فيه. فبالنسبة إليهما، قد يعني ذلك توقفاً شبه كامل للدعم العسكري والمالي الذي يتلقيانه من طهران.
وبحسب هذه المصادر، فإن العلاقة مع إيران ليست مجرد علاقة سياسية، بل شبكة معقدة من التمويل وتهريب السلاح والتدريب والتنسيق الأمني. وخلال السنوات الماضية تم تطوير مسارات متعددة لنقل الأموال ووسائل القتال عبر شبكات إقليمية وآليات سرية. ويقول مصدر أمني عربي في حديث لصحيفة "هآرتس":
"إذا اضطرت إيران إلى الانكفاء نحو الداخل بسبب أزمة داخلية، أو إذا اضطرت إلى تغيير سياستها الإقليمية، فإن حماس والجهاد الإسلامي سيواجهان مشكلة استراتيجية حقيقية: كيف يمكن الحفاظ على قدراتهما العسكرية من دون الراعي الأساسي".
وشمل الدعم الإيراني للحركتين التدريب العسكري، وتبادل المعرفة التكنولوجية، والمساعدة في تطوير وسائل قتالية، إضافة إلى دمجهما في محور إقليمي أوسع تقوده طهران. وقد زار قادة حماس والجهاد الإسلامي طهران مراراً والتقوا كبار المسؤولين في النظام الإيراني، بينهم المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي. وبسبب طبيعة هذه العلاقات، فإن أي تغيير في وضع إيران قد يهز التوازن الداخلي في كل من التنظيمين. ولذلك اختارت الحركتان حتى الآن التزام الصمت شبه الكامل.
ويقارن مسؤولون في منظمة التحرير الفلسطينية، حاليون وسابقون، الوضع الحالي بما حدث للفصائل الفلسطينية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج الأولى في مطلع التسعينيات. فقد فقدت العديد من التنظيمات آنذاك مصادر الدعم الأساسية واضطرت إلى إعادة تعريف استراتيجيتها، كما حدث أيضاً مع دول الخليج ومنظمة التحرير نفسها.
ويقول هؤلاء إن بقاء النظام الإيراني لا يضمن بالضرورة الاستقرار. فحرب طويلة أو ضغوط دولية كبيرة قد تدفع طهران إلى توجيه مواردها نحو الداخل، ما قد يؤدي إلى تقليص دعمها للفصائل الفلسطينية.
كما أن التطورات في إيران تعمّق النقاش الداخلي داخل حركة حماس بين جناحين: الأول أقرب إلى المحور الإيراني، والثاني أقرب إلى تيار الإخوان المسلمين وإلى الدول السنية في المنطقة مثل تركيا ومصر. ويقول مصدر سياسي في الحركة:
"الانتخابات المقبلة في مؤسسات قيادة حماس قد تعكس هذا الجدل، خصوصاً إذا تراجع نفوذ إيران".
وفي هذا السياق يُذكر اسم خالد مشعل، الرئيس السابق للمكتب السياسي للحركة، بوصفه شخصية قد تقود الحركة إلى مرحلة جديدة وربما تدفع باتجاه تبني أجندة أكثر مدنية.
ويقول مصدر فلسطيني على اتصال وثيق بقيادة حماس في الدوحة إن الهجمات الإيرانية على قطر بدأت بالفعل تؤثر في الحركة. وأضاف:
"العلاقة بينهما ربما تمر بمرحلة إعادة تقييم".
ولا يُستبعد أن تجري الحركة بعد انتهاء الحرب تقييماً شاملاً لمسارها وهويّة قيادتها، وقد يصل الأمر إلى تقليص دور جناحها العسكري والتركيز أكثر على العمل السياسي والدبلوماسي.
وليس موقف قطر وحده هو الذي يشهد تغيراً. فتركيا أيضاً أصبحت أكثر حذراً في تعاملها مع حماس والجهاد الإسلامي. صحيح أن الدعم السياسي والاقتصادي من الدوحة وأنقرة لم يختفِ، لكنه لم يعد أمراً بديهياً كما كان في السابق.
وعلى هذه الخلفية، قد يذهب التنظيمان في نهاية المطاف إلى إعلان تحولهما إلى حركات سياسية من دون أجنحة عسكرية، بهدف إيجاد دولة توافق على استضافة قياداتهما، سواء كانت قطر أو دولة أخرى.
وفي المقابل، تتصاعد داخل المجتمع الفلسطيني، وخصوصاً داخل حماس والجهاد الإسلامي، أصوات تعبر صراحة عن خيبة أمل من إيران منذ السابع من أكتوبر. فهناك من يعتقد داخل التنظيمين أن القيادة في طهران تركت الفلسطينيين يواجهون مصيرهم وحدهم في غزة من دون تدخل حقيقي لمساعدتهم.
في غزة… حماس ما زالت السلطة الفعلية
رغم حالة عدم اليقين الإقليمي، لا تزال حركة حماس تحافظ على حضور سلطوي واضح في قطاع غزة. ويصف أحد كوادر حركة فتح الذي ينتظر في القطاع تشكيل لجنة التكنوقراط لتولي إدارة الحكم، واقعاً يشبه "حالة من الروتين النسبي". وبحسب قوله، لم يحدث تغيير جوهري في نشاط الحركة: الحواجز ما زالت تعمل، ومراكز الشرطة مفتوحة، وهناك محاولة للحفاظ على النظام العام.
كما عادت بعض الخدمات المدنية إلى العمل، بما في ذلك إصدار بطاقات الهوية واستئناف النشاط في بعض المؤسسات التعليمية. ويقول المصدر:
"إنهم يعملون بحذر، لكنهم عملياً يديرون الأمور".
وأضاف أن قيادة حماس في غزة تحاول إيصال رسالة مفادها أنها مستعدة لنقل السلطة إلى حكومة أخرى أو إلى لجنة تكنوقراط، بشرط ضمان حقوق أعضاء الحركة والأجهزة القائمة.
كما أشار موظف في وزارة التربية والتعليم في غزة إلى أن مظاهر حكم حماس ما زالت واضحة في القطاع. فهناك شرطة مرور عند التقاطعات، وبعض مكاتب الوزارات ما زالت تعمل. وبرأيه، حتى لو لم تكن لدى الحركة ميزانيات كبيرة، فإن استمرار هذه الأنشطة يبعث برسالة واضحة: ويضيف:
"الناس يشتكون من الأسعار فتتدخل الشرطة، والناس يلجؤون إلى الجهات الرسمية لحل النزاعات وهناك من يعالجها. هذا أحد مظاهر السيادة، حتى لو كانت محدودة". ويلخص إنها سلطة فعلية على الأرض.