مقاربة "عدم اليقين الاستراتيجي" في السلوك الإيراني

 

 

 

يُعد مفهوم عدم اليقين الاستراتيجي أحد المفاهيم المهمة في حقل العلاقات الدولية، وتنبع أهميته من طبيعة البيئة الدولية التي تتسم بالتعقيد والتغير المستمر، وكذلك صعوبة التنبؤ بسلوك الفاعلين الدوليين. فالدول عند اتخاذ قراراتها الاستراتيجية، لا تتحرك في بيئة معلوماتية مكتملة، بل في إطار يتداخل فيه الغموض مع تقديرات القوة والردع والمصالح المتعارضة. ومن هنا، يصبح عدم اليقين عنصرًا بنيويًا في عملية صنع القرار السياسي والعسكري، وليس مجرد خلل مؤقت في المعلومات.

في سياق هذا المفهوم، تبرز إيران بوصفها حالة نموذجية يمكن من خلالها دراسة ظاهرة عدم اليقين الاستراتيجي. فقد استطاعت خلال العقدين الماضيين بناء نمط من السلوك الخارجي يقوم على مزيج من الغموض الاستراتيجي والمرونة التكتيكية، الأمر الذي جعل سياساتها الإقليمية والدولية محاطة بدرجة عالية من الالتباس لدى خصومها وحلفائها على حد سواء.

ترتبط فكرة عدم اليقين الاستراتيجي بطبيعة النظام الدولي ذاته. فوفق المدرسة الواقعية، يقوم النظام الدولي على حالة من الفوضى والاضطراب، أي غياب سلطة مركزية قادرة على فرض النظام بين الدول. وقد أشار منظّرو الواقعية البنيوية، أمثال: "كينيث والتز" و"جون ميرشايمر"، و"ستيفن والت"، و"روبرت جيرفس"، و"بارّي بوزان" إلى أن هذه البنية تدفع الدول إلى الاعتماد على قدراتها الذاتية لضمان أمنها، ما يولّد حالة دائمة من الشك المتبادل بين الفاعلين الدوليين.

في إطار هذه البيئة، لا تستطيع الدول التأكد من نوايا الدول الأخرى، أو حدود استخدامها للقوة. وهنا تتشكل ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ"معضلة الأمن" أو "عقدة الأمن" حيث تُفسَّر الإجراءات الدفاعية للدولة على أنها تهديد من قبل الدول الأخرى، ما يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل المتبادلة التي تزيد من مستوى التوتر وعدم اليقين.

وتلعب "نظرية المباريات" دورًا مهمًا في تفسير كيفية اتخاذ الدول قراراتها في ظل هذه البيئة الضبابية. فالدول غالبًا ما تتصرف وفق توقعات واحتمالات حول سلوك الخصوم، وليس بناءً على معرفة يقينية، الأمر الذي يجعل عملية اتخاذ القرار عملية تقديرية وغير دقيقة.

يُظهر السلوك الإيراني في السياسة الدولية مجموعةً من الخصائص التي تُعزز حالة "عدم اليقين الاستراتيجي". فالنظام السياسي في إيران يتميز بتعدد مراكز صنع القرار، حيث تتداخل المؤسسات الرسمية مع أدوار مؤسسات أمنية وعسكرية ودينية مؤثرة مثل: الحرس الثوري الإيراني والمرجعيات الدينية. هذا التعدد في مراكز القرار يؤدي في كثير من الأحيان إلى إرسال إشارات سياسية متباينة إلى الخارج، ما يعقّد عملية تفسير النوايا الإيرانية.

ناهيك عن اعتماد إيران في سياستها الخارجية على مزيج من الخطاب الأيديولوجي والبراغماتية السياسية. فهي من جهة تتبنى خطابًا سياسيًا حادًا تجاه بعض القوى الدولية والإقليمية، ومن جهة أخرى تنخرط في عمليات تفاوض دبلوماسية مع تلك القوى عندما تقتضي المصالح الاستراتيجية ذلك. هذا التناقض الظاهري بين الخطاب والممارسة يساهم في تعزيز حالة الغموض في فهم الاستراتيجية الإيرانية.

إلى جانب البيئة الإقليمية في الشرق الأوسط التي تلعب دورًا مهمًا في تكريس هذا الغموض. فالصراع المستمر بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يخلق حالة من التفاعل الاستراتيجي المعقد الذي يصعب التنبؤ بمساراته المستقبلية.

ويمثل "البرنامج النووي الإيراني" أحد أبرز تجليات عدم اليقين الاستراتيجي المعاصر. فمنذ الكشف عنه في آب/أغسطس 2002م- عن طريق المعارضة الإيرانية "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية"- أصبح موضوعًا رئيسيًا في التفاعلات بين إيران والقوى الدولية، لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وإسرائيل.

وقد حاولت القوى الكبرى معالجة هذه القضية من خلال توقيع الاتفاق النووي الإيراني في 14 تموز/يوليو 2015م، الذي فرض قيودًا تقنية مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية عن إيران. إلا أن هذا الاتفاق لم ينهي الجدل حول النوايا الاستراتيجية لإيران، خاصة بعد انسحاب إدارة الرئيس "دونالد ترامب" من الاتفاق في 8 أيار/مايو 2018م.

عموماً، إن استمرار الغموض حول القدرات النووية الإيرانية خلق حالة من الردع غير المباشر. فعدم معرفة الخصوم بدقة مدى التقدم الذي حققته إيران في هذا المجال جعلهم أكثر حذرًا في اتخاذ خطوات تصعيدية قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة.

باعتقادي، إن توظيف مقاربة عدم اليقين الاستراتيجي لا تقتصر على الملف النووي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى سياسة إيران الإقليمية. فقد اعتمدت إيران خلال العقود الثلاثة الماضية على بناء شبكة من التحالفات والعلاقات مع فاعلين من غير الدول؛ كالأحزاب، والجماعات، والمنظمات، والمليشيات في عددٍ من دول المنطقة. مثل: حزب الله في لبنان، وقوى سياسية وعسكرية في العراق وسورية واليمن وفلسطين. وقد أتاح هذا النمط من العلاقات توسيع النفوذ الإقليمي لإيران دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع خصومها.

تكمن أهمية هذه المقاربة كونها تخلق بيئة ضبابية يصعب فيها تحديد حدود المسؤولية المباشرة لإيران عن بعض الأحداث أو التوترات الإقليمية. وهذا الغموض يمنحها هامشًا واسعًا للمناورة السياسية والعسكرية. في المقابل، تحاول القوى الدولية والإقليمية التعامل مع حالة عدم اليقين المرتبطة بالسلوك الإيراني عبر مجموعة من السياسات؛ كالعقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية والعسكرية بهدف الحد من قدرات إيران الاستراتيجية.

وهذا ما دفع إسرائيل- أكثر من مرة- إلى اللجوء لاستراتيجية الضربات المحدودة أو العمليات السرية بهدف إبطاء القدرات العسكرية الإيرانية. غير أن هذه السياسات، بدلاً من إنهاء حالة عدم اليقين، غالبًا ما تساهم في إعادة إنتاجها ضمن دورة مستمرة من التفاعل الاستراتيجي بين الأطراف المختلفة.

ختاماً: تكشف الحالة الإيرانية أن عدم اليقين الاستراتيجي ليس مجرد نتيجة لنقص المعلومات، بل يمكن أن يكون أداة واعية ومقصودة في إدارة الصراعات الدولية. فمن خلال توظيف الغموض في قدراتها العسكرية ونواياها السياسية، استطاعت إيران أن تخلق لنفسها مساحة من المناورة في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. وفي المقابل، تجد القوى الدولية نفسها مضطرة للتعامل مع هذا الغموض عبر مزيج من الردع والضغوط السياسية والاقتصادية، والتدخل العسكري أحياناً، الأمر الذي يجعل التفاعل بين إيران وخصومها قائمًا على معادلة دقيقة من الحسابات الاستراتيجية المتبادلة. وهو ما سيُبقى مقاربة عدم اليقين عنصرًا أساسيًا في فهم السلوك الإيراني، وفي تحليل توازنات القوة في الشرق الأوسط في المستقبل المنظور.

 

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...