من سيكولوجيا الضحية إلى غطرسة الهيمنة

 

 

 

لم يعد الخطاب السياسي الإسرائيلي المعاصر مجرد محاولة للدفاع عن النفس أو تسويق مظلومية تاريخية، بل صار إعلانا صريحا عن ولادة لغة جديدة تعكس نزعة استعمارية متجذرة. فنتنياهو الذي طالما اختبأ خلف عباءة "الضحية" وصدمة "الهولوكوست" لتبرير سياساته، يظهر اليوم بمظهر القوة العظمى المخمورة بنشوة العسكرة، ليعيد تعريف دور إسرائيل في الشرق الأوسط. هذا التحول الجذري في النبرة والجوهر يسقط القناع عن الرواية التي دأبت الدعاية الصهيونية على ترويجها لعقود طويلة أمام المجتمع الدولي.

إن الادعاءات السابقة بأن إسرائيل تمثل "واحة للديمقراطية" في محيط معاد، أو أنها دولة صغيرة تواجه خطرا وجوديا داهما، تتآكل اليوم أمام خطاب يتباهى بالتفوق العسكري المطلق. فلم يعد الخوف الوجودي هو المحرك المعلن للآلة العسكرية، بل الرغبة في فرض واقع جيوسياسي جديد بالقوة والترهيب، وهو ما يفسر حدة العمليات العسكرية التي تتجاوز حدود الدفاع لتصل إلى الإبادة الجماعية. هذا الانتقال من "خطاب البقاء" إلى "خطاب الهيمنة" يكشف أن المشروع الإسرائيلي يرى نفسه الآن قوة دولية قادرة على تجاوز القوانين والأعراف.

يعكس هذا التوجه السياسي حقيقة النظام الاستعماري الإحلالي الذي تقوده "دولة عميقة" تشكلت من تيارات متطرفة تؤمن بنظرية تفوق عرق محدد، مع دمج المهاجرين برباط ديني وقومي متشدد. إن استخدام مفهوم "شعب الله المختار" ليس مجرد استحضار لنص ديني قديم، بل هو أداة لدمج الصهيونية القومية بالعنصرية الحديثة تحت مسمى التفوق. وبذلك، يتم تحويل الديانة اليهودية إلى "لاصق" سياسي يجمع شتات المهاجرين ضمن مشروع استيطاني يهدف إلى محو الآخر واستبدال هويته التاريخية بهوية استعمارية هجينة.

وعندما يتحدث نتنياهو عن مفاهيم مثل "الوصول إلى المملكة" أو "التمهيد لعودة المسيح"، فإنه لا يلقي كلمات عابرة، بل يستدعي تاريخا طويلا من الفكر اللاهوتي البروتستانتي. فالحقيقة التاريخية تؤكد أن الصهيونية في جوهرها هي منتج لاهوتي مسيحي نشأ في أوروبا قبل ظهور الصهيونية السياسية التي أسسها ثيودور هيرتسل بنحو ثلاثة قرون. لقد آمنت تيارات بروتستانتية مبكرة بضرورة عودة اليهود إلى فلسطين كشرط مسبق لتحقيق نبوءات دينية كبرى مرتبطة بالخلاص ونهاية العالم كأسطورة "هارمجيدون"، مما جعل المشروع الصهيوني جزءا من رؤية لاهوتية بروتستانتية مدمرة.

هذا الفكر اللاهوتي القديم يجد صداه اليوم في التيار "الإنجيلي الصهيوني" داخل الولايات المتحدة، والذي يشكل القاعدة الصلبة للدعم السياسي المطلق للسياسات الإسرائيلية المتطرفة. يرى هذا التيار في تعزيز السيطرة الإسرائيلية على القدس وبناء "الهيكل" المزعوم خطوة أساسية لا غنى عنها في الطريق نحو "نهاية الأزمنة". ومن هنا، يدرك نتنياهو أن مغازلة هذه القواعد الشعبية والمؤثرة انتخابيا تضمن له غطاء سياسيا دوليا لا يتأثر بتغير موازين القوى التقليدية، بل يستند إلى عقيدة لاهوتية ترتكز على الصدام  .

إن استخدام المصطلحات الدينية في الخطاب السياسي الإسرائيلي يتجاوز حدود الاستهلاك المحلي ليصل إلى ملايين الإنجيليين في أمريكا الذين يضغطون لتغيير الحقائق على الأرض. وقد تجلى هذا التأثير بوضوح خلال السنوات الماضية من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، وهي خطوات كانت مدفوعة بضغط عقائدي لاهوتي أكثر من كونها ضرورة سياسية. بالنسبة لهذا الجمهور، فإن دعم إسرائيل ليس خيارا ديبلوماسيا، بل هو واجب ديني مقدس يرتبط بشكل مباشر بانتظار عودة المخلص وتحقق النبوءات.

وتكمن الخطورة الكبرى في هذا التحول في أن القضية الفلسطينية يجري سحبها من سياقها كقضية سياسية وطنية أو نزاع على السيادة والأرض، لتوضع داخل إطار لاهوتي غيبي. فعندما تتحول السردية إلى حديث عن "الخلاص" و"العودة الموعودة" و"إعادة بناء الهيكل" في مكان المسجد الأقصى، فإننا ننتقل من لغة التفاوض الممكنة إلى لغة الصدام الوجودي المطلق. هذا التحويل المتعمد يجعل أي فرصة للتسوية السياسية ضربا من الخيال، لأن العقائد الدينية الجامدة لا تقبل الحلول الوسطى أو التقاسم العادل للحقوق.

إن نتنياهو، باستدعائه لهذه الرموز، يفتح الباب أمام صراع ديني عالمي يتجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية ليشمل كل من يؤمن بهذه السرديات الدينية الكبرى. فالصراع هنا لم يعد على ترسيم حدود أو تقاسم موارد، بل أصبح جزءا من "تصور نهاية التاريخ" الذي تسعى قوى اليمين المتطرف لفرضه كواقع حتمي. هذا الارتباط بين المشروع الاستعماري والوعد الإلهي المزعوم يمنح المحتل شعورا بالحصانة الأخلاقية والسياسية، ويبرر له ارتكاب أبشع الجرائم بدعوى تنفيذ إرادة سماوية لا ترد.

وبناء على ذلك، يتبين أن نتنياهو لا يخاطب في خطاباته المتشنجة الداخل الإسرائيلي فقط، بل يرسخ تحالفا استراتيجيا مع ركيزة الدعم الأهم في الولايات المتحدة. فمن خلال تداخل المشروع السياسي مع اللاهوت الصهيوني المسيحي، تضمن إسرائيل استمرار تدفق الدعم المادي والعسكري تحت غطاء من الشرعية الدينية الزائفة. إن إسقاط القناع اليوم يكشف عن وجه قبيح لنظام استعماري يغذي نفسه من أساطير الماضي ليحرق بها حاضر المنطقة ومستقبلها، محاولا فرض "هيكل" من القوة على أنقاض الحق والعدالة.

 

Loading...