
صنّاع هذه الحرب، لا يعرفون ولو على وجه التقريب متى تنتهي وكيف، مع أنهم يعرفون لماذا أشعلوها.
المشتبكون مباشرةً فيها... إيران المُعتدى عليها، وإسرائيل المحرّض والمؤثر في القرار الأمريكي بإطلاقها والتوغل فيها وأمريكا عرّابتها من الألف إلى الياء، أمّا باقي العالم الذي وإن اتحد على الخوف من تداعياتها إلا أنه مختلفٌ على تحديد الاصطفافات فيها، ورؤية ما سينجم عنها أثناء اشتعالها وبعد أن تضع أوزارها.
هي حربٌ بين قوتين تمتلكان قدراتٍ هائلةٍ في التأثير على الحياة الدولية أمنياً واقتصادياً، الطرف الأضعف فيها قياساً بالإمكانيات العسكرية والتقنية والتحالفية هي إيران، التي توغّلت على نحوٍ مبكرٍ في صراعٍ مع أمريكا وإسرائيل، ومنذ انتصار ثورة الخميني راودها نزوعٌ نحو نفوذٍ إقليميٍ مهيمنٍ في منطقةٍ لا تعاني من فراغٍ ينتظر من يملأه، بقدر ما تعاني من ازدحامٍ فوضويٍ لقوىً محليةٍ وخارجية، تتصارع فيما بينها، ذلك امتداداً للحرب الكونية المسمّاة بالباردة بين قطبي العالم آنذاك، أمريكا وحلفها، والاتحاد السوفياتي وحلفه المقابل، ولم يكن الشرق الأوسط بمنأىً عن استقطاباتها.
اندفعت ثورة الخميني بتأثيرٍ من انتصارها المدوّي على نظام الشاه، وبترحيب شعوب المنطقة بفعل رهانٍ تلقائيٍ لا يخلو من تبسيط، على انتصارها على الحليف الأساسي لإسرائيل، سيكون حتماً انتصاراً على إسرائيل ذاتها، فاندفعت بارتجالاتٍ غير محسوبةٍ نحو صراعٍ مباشرٍ مع دول المنطقة، عناوينه... تصدير الثورة وكانت الدول الأكثر ترشيحاً لتلقي ذلك، هي الجارة العراقية، ودول الخليج.
وعنوانٌ آخر حظي بجاذبيةٍ شعبية، هو طرد الشيطان الأكبر أمريكا من المنطقة، وعناوين من هذا النوع، لا يصلح معها سوى رفع شعار تحرير فلسطين بإبادة إسرائيل.
وقد مرّ نصف قرنٍ على هذا التطور الدراماتيكي الذي أتت به ثورة الخميني، وكان بمثابة حجر أساسٍ لأجندةٍ مستحيلةٍ ولكنها ظلّت مهيمنةً على التفكير والسلوك طيلة حكم الثورة وحتى أيّامنا هذه.
وغنيٌ عن الاستفاضة في سرد الوقائع، فقد كانت الحرب التي خاضتها إيران مع العراق، محطة استنزافٍ كبرى لمقدّرات بلدٍ كانت أنهكته الصراعات الداخلية التي اشتعلت مباشرةً بعد سقوط الشاه.
تهيمن على الشرق الأوسط حالةٌ مضللةٌ لكل من يتطلع إلى السيطرة عليه أو تعظيم نفوذٍ فيه، ذلك أن صراعات كياناته داخليةً كانت أم بينيةً أم خارجية، فهي بقدر ما تحمل من إغراءاتٍ للاستثمار فيها، تحمل في ذات الوقت عوامل استنزافٍ مهلكةٍ لمن يذهب إليها، ويكفي للدلالة على ذلك، حقيقة أن لا حرب نشبت فيه أنتجت خلاصاتٍ سياسيةٍ حاسمةٍ بل إن الحروب الكثيرة التي نشبت فيه دفع كل من توغّل فيها أثماناً باهظةً دون تحقيق أهدافه.
أجندة إيران كانت وما تزال مستحيلة التحقق، وبعد نصف قرنٍ من تأسيس أجندة النفوذ وما أُنفق عليها، وما مُنيت به من خسائر فها نحن نرى ما نرى من الحال الذي تردّت إليه.
أجندة إسرائيل وأمريكا، مع الفارق الضوئي في الإمكانات العسكرية والاقتصادية والتقنية، بين الشريكين وإيران، تقوّم منطقياً وموضوعياً من خلال رزمة الأهداف التي أُعلنت كسببٍ للحرب، وكشرطٍ لإنهائها، فهي وإن أظهر التفوّق العسكري تقدماً نحوها، وهُيئ لشريكي الحرب أميركا وإسرائيل أنها في سبيلها إلى الحسم النهائي، فإن أمراً كهذا يقرره اليوم التالي، وتقول الوقائع الدامغة أن أمريكا وإسرائيل وإن تمكنتا من تحقيق إنجازاتٍ عسكريةٍ على صعيد القتل والتدمير، إلا أنهما دائماً تخفقان في التعامل مع اليوم التالي.
في التاريخ المعاصر، فإن أمريكا ما دخلت حرباً إلا وسيطرت في أيّامها الأولى ولكنّها تعود إلى نقطة الصفر في يومها الأخير، ولنأخذ مثلاً فيتنام وأفغانستان، وكذلك الأمر بالنسبة لإسرائيل التي لم تتوقف عن الحروب منذ تأسيسها، وكانت تحقق نتائج عسكرية لا جدال على قوتها، إلا أنها كانت تفشل في معالجة اليوم التالي، حدث ذلك في العام 1967، حين اتسع احتلالها العسكري ليبلغ عشرات أضعاف مساحتها، وعشرات أضعاف عديد سكّانها، وها هو الدرس يتكرر في غزة، حيث حرب إبادةٍ شاملةٍ أنجزت إسرائيل الجزء الأكبر منها، ولكنّها ما تزال عاجزةً عن استكمالها، بحسمٍ سياسيٍ عنوانه ومضمونه تصفية القضية الفلسطينية وحكم الشرق الأوسط.
حين نقول إنها حرب الأجندات المستحيلة، فلأن ما ينبغي أن يُنظر إليه ليس كم قتلت إسرائيل وأمريكا، وكم دمّرتا في جميع حروبهما، وخصوصاً الحالية منها، وإنما فيما سيحدث بعد أن تضع الحرب العسكرية أوزارها، حينها سيجد الشريكان نفسيهما وجهاً لوجه، مع حقائق اليوم التالي، ومدى ابتعادها عن نصرهما المطلق الذي وضعاه كأهدافٍ أكيدةٍ للحرب، وحين يكتشفان أن في المنطقة شعوباً ودولاً وإمكانياتٍ وتحدياتٍ أكبر بكثيرٍ من قدرتهما على التحكم بها وتقرير مصائرها.
في هذه الحالة، ليس أمامهما سوى تغيير الأجندة نحو خياراتٍ أكثر واقعيةً وتوازناً، إن فعلتا ذلك سيكونا قد أراحا واستراحا، وإن لم يفعلا فلا مناص من الاستعداد لحربٍ جديدة.