إيران: استراتيجية "ولي الدم"

 

بغطرسة القوة والانحطاط لا شيء سوى أمريكا يقولها ترمب صراحة "أنتم لا شيء دون أمريكا العظيمة القوية، افعلوا كل شيء لتبقى أمريكا هي الأعظم"، وأي دولة بالعالم لم ولن تكن إلا بحماية الأساطيل الأمريكية، بالقوة العسكرية تدير السياسات العالمية بما يتناسب ومصلحتها دون رقيب أو حسيب وترسم خرائط العالم والنفوذ الجيوسياسي ولن يستطع أحد زعزعتها لا الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن ولا دول عظمى أو كبرى، اللعب بأعلى مستوياته في منطقتنا التي شهدت تغييرات كبيرة تتناسب ورؤية نتنياهو للشرق الأوسط وقد حقق ترمب وادارته في إسرائيل انجازات كبيرة وما ينبغي فعله وكأنه الصهيوني  الأشد تطرفاً وهذا ما أكده في حروب إسرائيل الدائرة حالياً في المنطقة، ونحن بذروة الغباء حين لا ندرك العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، ها هو ترمب يواجه العالم من أجل إسرائيل!!.

ونحن العرب مازلنا في الفلك الأمريكي كالمستجير من الرمضاء بالنار!! بعدما أظهرت حرب إيران السقوط الأمريكي والإسرائيلي الردعي والأخلاقي وحتى العسكري، نطلق نداءات السلام ونتمسك بالمبادرة العربية للسلام رغم الأحداث التي مرت بنا، ما مصير الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ألم تقتل إسرائيل السوريين والعراقيين والمصريين واللبنانيين، والوجود الأمريكي على أراضي دول عربية "ممن تولوا أمرنا وغزة تحترق" لم يحميها بل جعلها أهدافاً لحروب إسرائيل، الخليج اليوم يكتشف الحقيقة المرة أن القواعد الأمريكية والأساطيل الأجنبية لم تكن لحمايتهم بل لحماية إسرائيل والثمن يدفعه النفط العربي، آما آن الأوان لبناء استراتيجية عسكرية مشتركة عربية على الأقل والخطر يلف المنطقة بأكملها, ما حاجة السعودية لبناء اتفاق دفاع مشترك مع الباكستان وتركيا أين أخوة الدم والتراب، إلى متى يا عرب، وأنتم تدركون حدود إسرائيل الكبرى وخطرها، لا الخطر الإيراني!!.

بعد حشود عسكرية ضخمة مدججة بأحدث الأسلحة والتكنولوجيا تنهار أمامها دول كبرى، كان الرهان الأمريكي على اغتيال القيادات الإيرانية واسقاط النظام في الساعة الأولى من الهجوم رهان خاسر، تم تصفية ما يقارب الخمسين منهم ولكن هذا النظام لم يسقط بل أصبح أقوى وعُين ابن المرشد لأنه "ولي الدم" استراتيجية تضمن الدولة الإيرانية ألا يتنازل عن الثائر لدم أبيه وعن الانتقام والتصعيد والتشدد ضد أمريكا وإسرائيل.

بعد أسبوعيين من الحرب أعلن ترمب الانتصار والقضاء على قوة إيران بالكامل متزامن مع اعلان وزير الدفاع الإسرائيلي بالقضاء على 80% من هذه القوة، لكن فعلياً نرى أن إيران بكامل قوتها وكل ما هو أمريكي وإسرائيلي أصبح هدفاً لها، ولاتزال تطلق الصواريخ الباليستية والانشطارية بشكل متواتر ومنتظم على إسرائيل وألحقت بها خسائر كبيرة جداً يكفي أن سكانها في الملاجئ منذ بداية الحرب، دمرت القواعد العسكرية الأمريكية المتواجدة بشكل شبه كامل في منطقة الخليج وأغلقت مضيق هرمز الذي يتحكم في 20% من غاز العالم "استراتيجية شل الاقتصاد العالمي" ومن يتحكم بالممرات المائية يتحكم بالعالم، هاجمت ناقلات النفط والغاز الطبيعي في دول الخليج وفرضت قيوداً على المرور مما أدى إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، مع زيادة التصعيد الأمريكي الإسرائيلي على إيران لإجبارها على الانهيار والاستسلام ولكن إيران باستراتيجية جديدة تستعد لشن حرب طاقة على الاقتصاد العالمي لفترة للوصول إلى تسوية عادلة بوصفها خياراً وحيداً، في تقرير لفورن افيرز "يرى أن ترمب بدا متفاجئاً بالفوضى التي تعم أسواق النفط بعد اغلاق إيران مضيق هرمز اذ أنه لم يستعد لهذا الخيار"، مما دفعه للنظر بتخفيف العقوبات على الغاز الروسي مما يؤكد حاجة العالم لروسيا.

استراتيجية إيران إطالة أمد الحرب والرد على إسرائيل والقواعد الأمريكية في الخليج سترفع التكلفة الاقتصادية للحرب وتجعلها مكلفة سياسياً لترمب في الداخل الأمريكي وفي الشرق الأوسط، مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي وترمب لن يتحمل العبء السياسي الناجم عن ارتفاع أسعار الوقود بسبب الحرب التي لا تلقى تأييداً شعبياً ولا يوجد اجماع دولي أو اقليمي لها، فالحرب غير مبررة أمريكياً ولا إسرائيلياً بعد أن قدمت إيران تنازلات لترمب مالا تقدمه لرئيس أمريكي في التاريخ بتخفيض تخصيب اليورانيوم وملفات أخرى، ترمب يريد انهاء الحرب ولا يستطيع اقناع الداخل الأمريكي الآن بانتصاره.

متى وكيف ستنتهي الحرب لا أحد يعرف؟! ترمب أشعل الحرب مُطالباً اتخاذ قرار لإنهائها، كيف وهو الذي صرح أنه لن يوقفها قبل استسلام إيران غير المشروط، ثم تبعه مباشرة تصريح أن حربه على إيران ستنتهي خلال أيام، لا رؤية واضحة لإنهائها وما تريده أمريكا لإيران ولماذا الحرب البيت الأبيض عاجز عن الرد، هيغست وزير الدفاع يناقض الرئيس والرئيس يناقض نفسه حتى أوروبا حائرة لا تفهم هذا التخبط الذي يفعله ترمب!! مهندس الهجوم ويتكوف أيضاً لا يعرف متى تنتهي الحرب!! هذا التصريح يدين صناع القرار ويخفي الحقيقة أمام انجرار ترمب وادارته وراء نتنياهو. ويضع الخطط المعدة للحرب في دائرة الشك حول تحقيق أهدافها.

نحن في حرب شاملة على مستوى الشرق الأوسط والجميع متضرر، إسرائيل وأمريكا تورطتا بحرب غير مدروسة ومتكافئة مع إيران وحزب الله مما يشير إلى حرب طويلة الأمد ومن خلال استغلال ورقة الحرب تأمل إيران والحزب إلى استعادة قدرات الردع حيث يكفي للطرف الأضعف البقاء لتجنب الهزيمة وتجنب حرب طويلة الأمد ذات عواقب اقتصادية كبيرة، إيران وحزب الله تكبدتا خسائر كبيرة بلا شك ولكن مصممتان على مواصلة القتال "حرب وجودية"، وهذا يعني تحول الحرب إلى اختبار للصمود والمعاناة الاقتصادية والشرعية السياسية حيث يحاول كل طرف اجبار الآخر على قبول سلام غير مرضي، وقد تمتد الحرب لأسابيع أخرى حتى تعلن أمريكا الانسحاب التكتيكي والسقوط الاستراتيجي وتوافق على الشروط الإيرانية واتفاق نووي جديد وروسيا هي البديل الوحيد وراء ما يفعله ترمب.  

 

كلمات مفتاحية::
Loading...