رئيسٌ مرتبك وعالمٌ على حافة الانفجار

 

 

 

في اللحظات الكبرى التي تهتز فيها خرائط العالم، لا تكون خطورة الحرب في الصواريخ وحدها، بل في العقول التي تديرها، وفي اللغة التي تبررها، وفي مستوى الوعي السياسي والأخلاقي لدى من يجلسون في غرف القرار. وحين يقف رئيس الولايات المتحدة في المكتب البيضاوي ليعترف، على الملأ، بأنه لم يتوقع اتساع الحرب الدائرة على إيران، فإننا لا نكون أمام زلة لسان عابرة، بل أمام اعتراف سياسي ثقيل يكشف خللا عميقا في بنية التفكير والقرار. فالرجل الذي يفترض أنه يقود أقوى آلة عسكرية في العالم، ويستند إلى شبكات هائلة من الاستخبارات والتخطيط والتحذير والتقدير الاستراتيجي، يقول ببساطة إنه صدم من النتائج، وكأن ما يجري لم يكن متوقعا، وكأن المنطقة لم تكن منذ سنوات تقف فوق برميل بارود، وكأن الخبراء والجنرالات والحلفاء لم يحذروا مرارا من أن أي مغامرة عسكرية في الشرق الأوسط لن تبقى محدودة ولن تنتهي عند حدود الضربة الأولى.

هذا الاعتراف لا يكشف فقط سوء تقدير، بل يكشف ذهنية خطرة في الحكم، ذهنية تتعامل مع الحرب كما لو كانت خطوة تكتيكية قابلة للضبط الكامل، أو استعراضا للقوة يمكن التحكم بمساراته من غرفة عمليات محصنة. لكن التاريخ يعلمنا أن الحروب، خصوصا في المناطق المشبعة بالتعقيد والعداوات والتوازنات الهشة، لا تسير وفق رغبات من يشعلها. إنها تبدأ بقرار متعجل، ثم سرعان ما تتجاوز أصحابها، وتفرض منطقها الدموي الخاص. وحين يقر ترمب بأنه لم يكن يتوقع الردود التي طالت حلفاء للولايات المتحدة مثل قطر والسعودية والإمارات، فإن السؤال لا يعود فقط عن كفاءة الإدارة، بل عن أهلية القيادة ذاتها، وعن قدرة هذه القيادة على فهم طبيعة العالم الذي تتعامل معه.

الأخطر من الاعتراف نفسه هو ما تلاه من مشهد يكاد يبدو سورياليا. ففي خضم الحديث عن حرب متسعة وخسائر بشرية واستهدافات متبادلة وأزمة طاقة عالمية، ينتقل الرئيس فجأة إلى الحديث عن كوبا، عن طقسها، ثم يطلق كلاما صادما عن إمكان "أخذها" أو "تحريرها" أو فعل أي شيء يريده بها. هنا لا يعود الأمر مجرد ارتباك لفظي أو انفعال لحظي، بل يصبح مؤشرا على نمط تفكير قائم على الغطرسة الإمبراطورية المنفلتة من أي ضابط. فأن يتحدث رئيس دولة غارقة في نزاع خارجي مكلف عن إمكان الاستيلاء على بلد آخر في الكاريبي، فقط لأنه يظن أن بوسعه فعل ما يشاء، فهذا يعني أن منطق القوة العارية لم يعد مجرد خلفية ذهنية للسياسة، بل صار خطابا معلنا، وقحا، ومباشرا.

إن هذه اللغة ليست خطيرة لأنها تستفز الخصوم فقط، بل لأنها تعكس أيضا احتقارا لفكرة القانون الدولي، واستهانة بسيادة الدول، واستخفافا بالعواقب المترتبة على أي تهور جديد. فالإمبراطوريات حين تبدأ في تصديق أسطورة قدرتها المطلقة، تكون قد دخلت فعليا طور الانحدار، لأن الغرور في السياسة الدولية ليس علامة قوة، بل مقدمة عمى. وكل قوة تتوهم أنها تستطيع فتح جبهات إضافية بينما هي عاجزة عن إدارة الجبهة القائمة، إنما تكشف عن أزمة داخلية في التقدير، وعن انفصال متزايد بين الخطاب الرسمي والواقع.

وفي الوقت نفسه، تحاول الإدارة الأميركية تهدئة الأسواق والرأي العام عبر الترويج لوجود اتصالات دبلوماسية سرية تهدف إلى وقف التصعيد. لكن المفارقة الفاضحة أن الطرف المقابل يخرج علنا لينفي هذه الرواية، بل ويصفها بالأوهام، ويؤكد أن الحديث عن مفاوضات أو هدنة ليس سوى محاولة لتضليل أسواق النفط والرأي العام. وهنا تتعمق الأزمة أكثر، لأن المشكلة لم تعد فقط في الفشل العسكري أو السياسي، بل في تآكل المصداقية نفسها. حين تصبح بيانات السلطة موضع تشكيك خارجي وداخلي، وحين يظهر الخطاب الرسمي كأنه أداة لتهدئة المستثمرين لا لوصف الواقع كما هو، فإننا نكون أمام إدارة مأزومة لا تملك استراتيجية واضحة، فتستعيض عن ذلك بإدارة الانطباعات وصناعة السرديات المؤقتة.

غير أن الثمن الحقيقي لكل هذا التخبط لا يدفع في المؤتمرات الصحافية ولا في شاشات التداول، بل على الأرض، في أجساد الجنود، وفي المدن المعرضة للخطر، وفي البعثات الدبلوماسية التي تتحول إلى أهداف، وفي الشعوب التي تدفع كلفة القرارات المرتجلة. التقارير التي تتحدث عن إصابة أكثر من مئتي جندي أميركي، واستهداف السفارات والفنادق والدول الحليفة، تؤكد أن المسألة لم تعد مجرد أزمة قابلة للاحتواء، بل صارت واقعا متفجرا يتسع ميدانيا وسياسيا ونفسيا. ومع ذلك، يبدو الرئيس أكثر انشغالا بتصفية حساباته الداخلية والسخرية من خصومه والتنمر عليهم بعبارات شخصية مهينة، من انشغاله بالإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالوضع المتفجر في الشرق الأوسط ومآلاته.

هنا يتجلى أحد أكثر أوجه الانحدار قسوة في الحياة السياسية المعاصرة: تحول المأساة العامة إلى مناسبة للاستعراض الشخصي، وتحول المنصب الأعلى في الدولة إلى منصة للتهكم والهروب من المساءلة. فعندما يسأل صحافي عن ستة عسكريين امريكيين قتلوا في هجوم ايراني، فيرفض الرئيس الإجابة ويهاجم الصحافي بدلا من ذلك، فإننا لا نشهد فقط غيابا للكياسة أو التعاطف، بل نشهد انهيارا في المعنى الأخلاقي للمسؤولية. فالقائد الحقيقي لا يهرب من الأسئلة الصعبة، ولا يستخف بالموت، ولا يستبدل المحاسبة بالاستعراض، بل يواجه النتائج، ويعترف بالكلفة، ويحترم حق الناس في معرفة الحقيقة.

إن المشهد العام الذي ترسمه هذه الوقائع هو مشهد عاصمة مضطربة، وقيادة مرتبكة، وسياسة خارجية تتحرك برد الفعل لا بالفعل، وبالغرور لا بالحكمة، وبالاندفاع لا بالتخطيط. وهذا ما يجعل السؤال المطروح سؤالا جوهريا لا دعائيا: هل توجد بالفعل استراتيجية حقيقية تحكم هذا السلوك، أم أن ما يجري ليس إلا سلسلة من الارتجالات ومحاولات تشتيت الانتباه وصرف الأنظار عن فشل يتكشف يوما بعد يوم. كثير من المؤشرات يوحي بأننا أمام النمط الثاني، أمام سلطة تحاول أن تغطي على عجزها بإنتاج الضجيج، وأن تعوض غياب الرؤية بمزيد من التصريحات الصادمة، وأن تستخدم الفوضى الكلامية ستارا على الفوضى الفعلية.

لكن المشكلة أن العالم لا يدار بمنطق التعليقات المرتجلة، ولا تحتمل أزماته الكبرى هذا المستوى من الخفة. فالشرق الأوسط ليس مسرحا لرسائل انتخابية، وكوبا ليست نكتة جيوسياسية، وأسواق النفط ليست مجرد شاشة يمكن خداعها إلى الأبد، وحياة الجنود والمدنيين ليست تفصيلا ثانويا في معركة الصورة. حين تختلط النزعة الاستعراضية بالقرار العسكري، يصبح الخطر مضاعفا، لأن الحرب آنذاك لا تعود فقط نتيجة صراع مصالح، بل أيضا نتيجة غرور شخصي ورغبة في فرض الهيبة بأي ثمن.

من هنا، فإن أخطر ما في هذا المشهد ليس مجرد اتساع الحرب، بل انكشاف هشاشة القيادة التي تديرها. فالحروب يمكن أحيانا احتواؤها، والأزمات قد تجد مخارجها بعد كلفة باهظة، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين يصبح مركز القرار نفسه مصدرا للفوضى، وحين يتحدث رئيس دولة عظمى كما لو أنه معلق تلفزيوني مرتبك أو زعيم متهور مفتون بسلطته. عند تلك النقطة، لا يعود العالم أمام أزمة عابرة، بل أمام خلل بنيوي في طبيعة الحكم، خلل يجعل الجميع، حلفاء وخصوما وأسواقا وشعوبا، أسرى مزاج فرد واحد لا يبدو أنه يدرك تماما ما الذي أطلقه، ولا إلى أين يمكن أن يقود.

وهكذا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الحرب قد خرجت عن السيطرة فقط، بل ما إذا كانت القيادة نفسها قد خرجت من إطار العقل الاستراتيجي إلى فضاء الفوضى والإنكار والاستعراض. وإذا صح ذلك، فإن الخطر لا يتهدد منطقة واحدة فحسب، بل يطال النظام الدولي كله، لأن العالم يصبح في هذه الحال رهينة قرارات متقلبة، واعترافات مذهلة، ونزوات سياسية قد تفتح في كل لحظة بابا جديدا على كارثة أكبر.

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...