
الإشارة الأولى جاءت من الرئيس دونالد ترمب، حين مدد إنذاره بضرب المنشآت الحيوية المدنية الإيرانية، من ثمانٍ وأربعين ساعة إلى خمسة أيّام.
الردّ الإيراني كان إيجابياً ولكن على الطريقة المألوفة عن إيران، التي تريد الشيء وتُعلن ضدّه، فمن مصلحتها وقف القتال وبدء المفاوضات، ومن مصلحتها كذلك نفي وجود المفاوضات، كتكتيكٍ تفاوضي يظهرها رابحةً في الحرب، وليست مهزومةً كما يقول الثنائي ترمب نتنياهو.
منذ اليوم الأول لنشوب الحرب، بدأت تحركاتٌ سياسيةٌ أدّاها وسطاءٌ كثيرون، ولكنها لم تكن ذات صفةٍ رسمية، ومنذ ذلك الوقت، لم يتوقف الوسطاء عن نقل الرسائل المتبادلة، ذلك تحت ساترٍ كثيفٍ من العمليات العسكرية والإنكار المتبادل.
وإذا كان الإيرانيون المُعتدى عليهم هم الطرف الأقل تجهيزاتٍ في هذه الحرب، يرون أن من مصلحتهم الامتناع عن المفاوضات الرسمية، وذلك لأسبابٍ تعبوية، حيث أي إظهارٍ للاستعداد للتفاوض الرسمي يبدو إشارة ضعف، فمن مصلحة ترمب أن يُظهر العكس، بعد أن حمّله العالم المسؤولية عن تداعيات الحرب وأبرزها ارتفاع سعر النفط والغاز إلى أرقامٍ قياسية.
الاختلاف إذاً بين المتحاربين ليس على مبدأ وقف الحرب ولا على مبدأ المفاوضات وضرورتها، وإنما على إعلان القبول من عدمه فقط.
الأمريكيون والإيرانيون يبحثون عن خلاصاتٍ توفّر لكلٍ منهما إمكانية ادّعاء النصر، وسوف يجدونها ومعهم كذلك الملحق الإسرائيلي، وذلك من خلال لجوء كل طرفٍ من أطراف الحرب إلى نظرية.. من لم يستطع تحقيق نصرٍ حاسمٍ ومعترفٍ به، فليس أمامه سوى ادّعاءه.
الإيرانيون أعلنوا النصر مبكراً قبل أن تتوقف الحرب، من خلال بقاء نظامهم على قيد الحياة، رغم تصفية رؤوسه، والأمريكيون أعلنوه منذ اليوم الأول ويواصلون إعلانه على لسان ترمب الذي يدّعي بأنه أنهى كل شيءٍ في إيران، أمّا إسرائيل الكاظمة غيظها بفعل احتمال وقف الحرب عند النقطة التي وصلت إليها، فلا تملك إلا الترحيب بموقف ترمب والجري وراءه في أي اتجاه يقرر.
الحرب في طريقها إلى التوقف، ويبدو أن إغلاق هرمز أتى بثماره لمصلحة إيران، والتهديد بحرق كل شيء هو ما تبقى لترمب من أوراق ضغط، أمّا الوسطاء فيزدهر دورهم بفعل الحظر على تدفق النفط والغاز، وارتفاع الأسعار.
هكذا تسير الأمور، في حربٍ غبيةٍ كهذه، كان يمكن تفاديها بقليلٍ من التروي والحسابات الواقعية، ولكن التهور كان سمتها الأساسية.