مقالات مختارة

الشرق الأوسط والطاقة: صراع مفتوح على مستقبل النفوذ العالمي | فادي قدري أبو بكر

 

 

 

أصبحت الطاقة اليوم عنصراً محورياً في تشكيل السياسات الدولية، إذ تمثل السيطرة على مصادرها وطرق نقلها أداة أساسية للنفوذ العالمي. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الصراع القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى باعتباره صراعاً اقتصادياً واستراتيجياً بقدر ما هو سياسي أو أيديولوجي، حيث تهدف الأطراف المشاركة إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط والتحكم بممرات الطاقة العالمية.

لم تتحقّق الأهداف العسكرية والسياسية المعلنة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل حتى الآن، في ظل استمرار قدرة إيران على الرد وتطوير تكتيكاتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، مما يعكس فشلاً في تحقيق التفوق العسكري الحاسم. وفي الوقت ذاته، تتزايد المخاطر على الممرات الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، حيث تتجه إيران إلى فرض رسوم على السفن العابرة، في خطوة تجمع بين استخدام المضيق كورقة ضغط سياسية ومصدر دخل إضافي. وفي المقابل، حذرت دول عدة من أن أي تعطيل للملاحة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الشحن والتأمين وتأثر إمدادات الطاقة عالميا.

وتشهد الأسواق العالمية تقلبات كبيرة نتيجة التصعيد، حيث حذرت الوكالة الدولية للطاقة من أسوأ أزمة منذ عقود، مع فقدان الأسواق 11 مليون برميل يومياً، متجاوزة خسائر أزمات النفط في السبعينات مجتمعة. كما انخفضت أسعار الذهب عالمياً بنسبة تجاوزت 23% منذ اندلاع الحرب. وفي المقابل، ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية بشكل حاد بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن محادثات إيجابية مع إيران، ما انعكس على مؤشرات داو جونز وستاندرد آند بورز وناسداك، في محاولة منه للتخفيف من التداعيات الاقتصادية للحرب.

ومع تراجع الدعم الأوروبي للحرب، كما تعكسه تصريحات وزير الخارجية الألماني "يوهان فاديفول"، الذي اعتبر أن تغيير النظام في إيران باستخدام القوة أمر غير واقعي، تتزايد صعوبة تحقيق الولايات المتحدة وإسرائيل لأهدافهما العسكرية والسياسية. ويتجلى ذلك في اعتماد إسرائيل بشكل متزايد على سياسة الاغتيالات، في محاولة لتعويض إخفاقها في تحقيق تفوق عسكري واضح، حيث نُفذت عمليات استهدفت شخصيات إيرانية بارزة، من بينها علي لاريجاني وغلام رضا سليماني.

تتسم الحسابات الإقليمية والدولية بالتعقيد، إذ يُتوقع توسع نطاق الصراع، مع احتمالية تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة والاستفادة من السيطرة على مضيق هرمز اقتصادياً واستراتيجياً. وتبقى التوترات قائمة على خلفية محاولة الحفاظ على مصالح الطاقة العالمية، مع استمرار صعوبة الوصول إلى تسوية نهائية، ما يجعل مستقبل الصراع مفتوحاً على احتمالات التصعيد أو تدخل دولي لفرض تهدئة.

وفي جميع الأحوال، يبقى العامل الاقتصادي المرتبط بالطاقة أحد أبرز محددات مسار هذا الصراع، حيث تمثل استمرارية تدفق الإمدادات واستقرار الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، أولوية لدى القوى الكبرى. لذلك، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور هو استمرار الحرب ضمن حدود مضبوطة، مع تجنب الانفجار الشامل، في مقابل محاولات متواصلة لإدارة الصراع سياسياً وأمنياً بما يوازن بين مصالح الأطراف المختلفة ويحدّ من تداعياته على الاقتصاد العالمي.

 

 

 

Loading...