
لم يعد المشهد الدولي كما عرفناه خلال العقود الثلاثة الماضية. ما كان يبدو نظاماً مستقراً بعد الحرب الباردة، تحكمه قواعد واضحة وتوازنات شبه ثابتة، بات اليوم أقرب إلى لوحة مضطربة تتقاطع فيها الحروب، وتتداخل فيها المصالح، وتتآكل فيها قدرة المؤسسات الدولية على الفعل. نحن لا نعيش أزمة عابرة، بل لحظة تاريخية انتقالية، لحظة تفكك نظام قديم من دون أن يتشكل بعد نظام جديد قادر على احتوائه. وفي ظل ما بات يُوصف بحالة حرب ممتدة ضد إيران، تتقاطع فيها العمليات العسكرية المباشرة مع حسابات الردع الإقليمي، يتجلى هذا التراكب بوضوح، حيث لم يعد الأمر مجرد توتر إقليمي، بل جزءاً من مشهد أوسع يعكس اختلال توازن الردع الدولي وتحول الصراعات من منطق الاحتواء إلى حافة المواجهة.
في قلب هذا التحول، تتكشف حقيقة أساسية: العولمة التي وعدت بتجاوز الجغرافيا السياسية لم تُلغِها، بل أخفتها مؤقتاً. ومع أول سلسلة من الصدمات الكبرى: الأزمة المالية العالمية، جائحة كورونا، الحرب في أوكرانيا، ثم اشتعال الشرق الأوسط. عادت الجغرافيا لتفرض نفسها بقوة. عادت الطاقة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، وحتى الغذاء، لتصبح أدوات صراع لا تقل أهمية عن الجيوش. وفي هذا السياق، تكتسب الحرب على إيران بعداً عالمياً فورياً، نظراً لارتباطه المباشر بمضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، ما يجعل من المواجهة مؤشر على إعادة تشكيل أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
نحن اليوم أمام انتقال من عالم يمكن وصفه بأحادي القطبية، تقوده الولايات المتحدة بقدر كبير من الهيمنة، إلى عالم يمكن توقعه بعالم متعدد الأقطاب، لكنه لم ينضج بعد. فالقوة الأميركية، رغم توصيفها بالأكبر عبر التاريخ، إلا أنها لم تعد قادرة على إدارة النظام العالمي بذات الأدوات السابقة، في حين أن القوى الصاعدة، وعلى رأسها الصين، لم تطرح بديلاً متكاملاً، بل تتحرك بحذر محسوب، يوازن بين الطموح والتجنب. هذا الفراغ النسبي في القيادة الدولية خلق حالة من "السيولة الاستراتيجية"، حيث تتزايد النزاعات دون أن تجد أطر احتواء فعالة. هنا يتجلى عجز المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ليس فقط كأزمة إرادة سياسية، بل كأزمة بنيوية تعود إلى تصميم هذه المؤسسات وفق توازنات لم تعد قائمة اليوم.
وسط هذا المشهد المتوتر، يبرز الشرق الأوسط ليس كاستثناء، بل كمرآة مكبرة للتحولات العالمية. فهذه المنطقة، التي تجمع بين الثروة الطاقوية والموقع الجيوسياسي الحرج والهشاشة الداخلية، تتحول إلى نقطة تقاطع بين مصالح القوى الكبرى. مضيق هرمز، قناة السويس، البحر الأحمر، والقرن الإفريقي، ليست مجرد جغرافيا، بل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب فيها ينعكس فوراً على العالم بأسره.، وهذا ما بدا واضحاً اليوم.
لكن أهمية الشرق الأوسط لا تفسر وحدها كثافة الصراع فيه. فإلى جانب موقعه، تعاني دوله من اختلالات داخلية سياسية، اقتصادية، وهوياتية تجعلها أكثر عرضة للتدخلات الخارجية. وهكذا أصبحت المنطقة ساحة لتصفية الحسابات غير المباشرة، حيث تتقاطع القوى الدولية دون مواجهة مباشرة، لكنها تدير صراعاتها عبر أطراف محلية. وتُعد إيران أحد أبرز تجليات هذا النمط، حيث تتحول المواجهة معها إلى نموذج للصراع غير المباشر بين القوى الكبرى، إذ تتداخل فيها الحسابات الإقليمية مع التوازنات الدولية، من دون أن تنزلق حتى الآن إلى حرب شاملة تتجاوز الجغرافية الإيرانية.
في هذا السياق، تتفاوت مواقع ومواقف الفاعلين الدوليين. الولايات المتحدة لا تزال الحاضر الأمني الأبرز والمهيمن، لكنها تعيد ترتيب أولوياتها، ولكن للأسف في سياق تداخل المصالح مع الحليف الإسرائيلي، وما يثيره ذلك من جدل حول تأثيره في استقرار المنطقة. الصين تراقب بصمت، مدفوعة بحسابات اقتصادية تجعلها حريصة على الاستقرار دون الانخراط العسكري. روسيا تخوض صراعاً مركباً يستنزف مواردها ويعيد تعريف دورها. أما أوروبا، فتعيش حالة من الانكشاف الاستراتيجي، نتيجة اعتمادها الأمني والطاقوي، وتحدياتها الديموغرافية والاقتصادية. ويظهر ذلك بوضوح في الموقف من إيران؛ حيث اتجهت الولايات المتحدة نحو منطق مواجهة مفتوحة تحت عناوين ورغبات إسرائيلية.
أما الخاسر الأكبر، فهو الإنسان العادي، أينما حطت به الرحال بين الشرق والغرب أو بين الشمال والجنوب. فالحروب، واضطرابات الطاقة، وارتفاع تكاليف النقل والغذاء، كلها تتراكم لتصيب المجتمعات، سواء في الدول المتقدمة أو بالدول الهشة. في المقابل، قد تظهر مكاسب ظرفية لبعض الفاعلين من منتجي الطاقة، أو مصدري السلاح، أو بعض القوى الإقليمية، لكنها مكاسب تكتيكية، لا تعكس استقراراً طويل الأمد. فالحرب ضد إيران والتي نتابع صورها وتداعياتها عبر شاشات التلفاز بشكل مباشر، رفعت أسعار الطاقة، وزادت من كلفة التأمين والنقل، وهو ما فاقم الضغوط على الاقتصادات الهشة وغيرها.
والسؤال، هل كان العالم بحاجة إلى هذا المشهد ليتغير؟ من حيث الكلفة الإنسانية، الإجابة قطعاً لا. لكن من حيث منطق التاريخ الدولي، فإن التحولات الكبرى غالباً ما تأتي عبر الأزمات، لا عبر الإصلاح التدريجي. الأزمات تكشف هشاشة القواعد القديمة، وتدفع الفاعلين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، حتى وإن كان الثمن باهظاً.
ما نعيشه اليوم ليس نهاية النظام الدولي، بل نهاية مرحلته السابقة. نحن في طور انتقالي قد يطول، تتراجع فيه مركزية المؤسسات، وتتصاعد فيه التحالفات المرنة، وتُعاد فيه صياغة مفهوم القوة ليشمل القدرة على الصمود بقدر ما يشمل القدرة على الهيمنة.
في هذا العالم الجديد، لن تكون القوة لمن يملك فقط السلاح أو المال، بل لمن يستطيع تأمين الطاقة، وحماية سلاسل الإمداد، وإدارة الأزمات، والتكيف مع بيئة متغيرة باستمرار. وهنا، يعود الشرق الأوسط ليكون في قلب المعادلة: إما أن يظل ساحة صراع، أو أن يتحول (إن استطاع) إلى فاعل يعيد تعريف موقعه في النظام العالمي القادم. وربما يشكل ملف إيران أحد أبرز اختبارات هذا العالم الجديد: هل تُدار الأزمات عبر الردع والتوازن، أم تنزلق إلى مواجهات تعيد رسم خرائط القوة بالقوة؟ ولعل ما نشهده اليوم يفرض الحاجة إلى قراءات عميقة، تتجاوز الانشغال بتفاصيل الأحداث الساخنة، نحو تفكيك البنية العميقة للتحولات التي تعيد تشكيل النظام الدولي. لذلك، إن السؤال الحقيقي لم يعد: من يقود العالم؟ بل: كيف سيُدار عالم بلا مركز قيادة واضح، في ظل توازنات لم تستقر بعد، ونظام دولي تتقدم فيه لغة القوة والسطوة على حساب القواعد والمؤسسات؟