لماذا تغير واشنطن جيادها في منتصف النهر؟

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسِيث

 

 

 

في خضم الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران، أقدم وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث على خطوة تخالف القاعدة العسكربة والسياسية "لا تغير جيادك في منتصف النهر"، وذلك عندما طلب هيغسيث من رئيس أركان الجيش  القوات البرية الجنرال راندي جورج التنحي والتقاعد الفوري من منصبه. هذه الإقالة المفاجئة لضابط مشاة مخضرم تمرس في الحروب، فتحت بابا واسعا للتساؤلات حول الدوافع الحقيقية التي تجعل وزارة الحرب (البنتاغون) يُقدم على تغيير قيادي بهذا الحجم، وفي هذا التوقيت الحساس.

مطالبة هيغسيث  من الجنرال راندي جورج تعكس حدة التوترات داخل أروقة صنع القرار في واشنطن إلى مستويات غير مسبوقة، حيث برز شرخ عميق وملموس بين كبار جنرالات الجيش الأمريكي والمستوى السياسي ممثلا بالإدارة الحالية، لا سيما فيما يتعلق بالتعامل مع الملف الإيراني وخطط الحرب المحتملة. هذا الخلاف ليس مجرد تباين في وجهات النظر الاستراتيجية، بل تحول إلى مواجهة إرادات علنية، حيث يتبنى الجناح السياسي، بقيادة وزير الحرب رؤية تصعيدية تميل نحو الحسم العسكري والضغط الأقصى، في حين يبدي القادة العسكريون المحترفون، وعلى رأسهم الجنرال راندي جورج، تحفظات شديدة تتعلق بالتبعات الجيوسياسية الكارثية للدفع بالقوات البرية لغزو ايران ، بالإضافة إلى المخاوف من استنزاف القدرات الأمريكية في حرب إقليمية طويلة الأمد قد تخدم قوى دولية أخرى.

وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها حينما اعتبر المستوى السياسي أن تحفظات الجنرالات تمثل نوعاً من المقاومة البيروقراطية أو العرقلة لقرارات المستوى السياسي، مما دفع بالوزير هيغسيث إلى اتخاذ خطوة دراماتيكية بمطالبة الجنرال جورج بالتنحي والاستقالة من منصبه. هذا الطلب لم يكن مجرد إجراء إداري، بل عكس رغبة سياسية في إعادة صياغة قيادة الجيش لتكون أكثر تماشياً مع التوجهات الصقورية الجديدة، وتطهير المؤسسة العسكرية من الأصوات التي تنادي بـ"الواقعية العسكرية" أو الحذر الاستراتيجي. إن هذا الصدام يضع التقاليد العسكرية الأمريكية، التي تفصل بين القيادة المهنية والقرار السياسي، على المحك، ويؤشر إلى مرحلة جديدة من تسييس المناصب القيادية العسكرية في البنتاغون، وسط تحذيرات من أن إقصاء الكفاءات العسكرية المجربة أثناء الحرب قد يؤدي إلى قرارات ميدانية غير مدروسة، تزيد من احتمالات الانزلاق نحو مواجهة شاملة في الشرق الأوسط لا تحمد عقباها.

وفي العادة لا تُقرأ إقالة أو إحالة قائد عسكري كبير في الولايات المتحدة كحدث إداري عادي، بل تُقرأ في سياق أوسع يتعلق بالتحولات في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية، وطبيعة الحروب التي تستعد لها واشنطن، والصراعات داخل المؤسسة العسكرية نفسها. لذلك فإن إحالة رئيس أركان الجيش الأمريكي إلى التقاعد بشكل مفاجئ لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات الكبرى التي يعيشها الجيش الأمريكي منذ عدة سنوات، والتي يمكن وصفها بأنها انتقال من مرحلة "حروب مكافحة الإرهاب" إلى مرحلة "الاستعداد لحرب بين قوى عظمى".

منذ نهاية الحرب الباردة، خاض الجيش الأمريكي حروبا طويلة في أفغانستان والعراق وسوريا، وكانت هذه الحروب تعتمد على قوات برية كبيرة، وتمردات، وحروب مدن، وعمليات مكافحة الإرهاب. لكن بعد صعود الصين وعودة روسيا كلاعب عسكري عالمي، بدأ التفكير الاستراتيجي في واشنطن يتغير جذريا. لم تعد الحرب المتوقعة هي حرب عصابات في الشرق الأوسط، بل حرب تكنولوجية ضخمة ضد دولة قوية تمتلك صواريخ دقيقة، وأقمارا صناعية، وقدرات سيبرانية، وطائرات مسيرة، وربما أسلحة فضائية. هذا التحول يفرض تغييرا في عقيدة الجيش، وفي التسليح، وفي هيكل القوات، وحتى في نوعية القادة العسكريين أنفسهم.

الجيش الأمريكي يمر منذ سنوات بعملية إعادة هيكلة ضخمة تعرف داخل البنتاغون باسم "تحول الجيش"،  وتهدف إلى تحويل الجيش من قوة تعتمد على الدبابات الثقيلة والقوات البرية الكبيرة إلى قوة أخف، أسرع، وأكثر اعتمادا على التكنولوجيا، والطائرات بدون طيار، والصواريخ بعيدة المدى، والحرب الإلكترونية. هذا التحول ليس تقنيا فقط، بل هو أيضا صراع فكري داخل المؤسسة العسكرية بين جيل من الجنرالات تربى على حروب العراق وأفغانستان، وجيل جديد يرى أن الحرب القادمة ستكون ضد الصين في المحيط الهادئ، أو ضد روسيا في أوروبا الشرقية، أو حتى في حرب متعددة الجبهات تشمل الشرق الأوسط.

في مثل هذه الفترات الانتقالية، تحدث عادة تغييرات في القيادات العسكرية العليا، لأن كل مرحلة استراتيجية تحتاج إلى نوع مختلف من القادة. القائد الذي ينجح في حرب العصابات ليس بالضرورة هو القائد المناسب لحرب تكنولوجية ضد دولة عظمى، والقائد الذي بنى مسيرته على الدبابات والمدفعية قد لا يكون هو الشخص الذي يقود جيشا يعتمد على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة والحرب السيبرانية. لذلك كثيرا ما يتم استبدال القيادات ليس بسبب فشل مباشر، بل لأن المرحلة الجديدة تحتاج إلى عقلية عسكرية مختلفة.

هناك عامل آخر مهم لا تتحدث عنه البيانات الرسمية عادة، لكنه حاضر بقوة في تحليلات الصحافة الأمريكية والأوروبية، وهو الصراع داخل البنتاغون نفسه. وزارة الحرب الأمريكية ليست مؤسسة واحدة متجانسة، بل هي مجموعة مؤسسات: الجيش، البحرية، سلاح الجو، المارينز، وقوة الفضاء، وكل فرع يحاول الحصول على أكبر حصة من الميزانية العسكرية الضخمة. وعندما تتغير الاستراتيجية العسكرية، تتغير معها ميزانيات التسليح، وهذا يخلق صراعات قوية بين أفرع الجيش المختلفة. فإذا قررت الولايات المتحدة أن الحرب القادمة ستكون بحرية ضد الصين، ستزداد ميزانية البحرية وسلاح الجو، وقد تتقلص ميزانية القوات البرية، وهذا يعني تقليص دور الجيش البري، وهو ما يخلق صراعات داخلية قد تنتهي أحيانا بتغيير القيادات.

كذلك لا يمكن تجاهل أزمة التجنيد التي يواجهها الجيش الأمريكي منذ عدة سنوات، حيث يواجه الجيش صعوبة متزايدة في تجنيد الشباب الأمريكي، بسبب تغير المجتمع، وانخفاض الرغبة في الخدمة العسكرية، والمشاكل الصحية والتعليمية لدى نسبة كبيرة من الشباب، إضافة إلى أن الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان خلقت صورة سلبية لدى كثير من الأمريكيين عن الخدمة العسكرية. هذه الأزمة تعتبر من أخطر التحديات التي تواجه الجيش الأمريكي حاليا، لأن أي حرب كبيرة تحتاج إلى أعداد كبيرة من الجنود، وليس فقط إلى التكنولوجيا. وعندما تواجه مؤسسة عسكرية أزمة تجنيد، فإن المسؤولية السياسية والإعلامية تقع غالبا على قيادة الجيش.

هناك أيضا بعد سياسي لا يمكن تجاهله. في الولايات المتحدة، الجيش يخضع للقيادة المدنية، أي للرئيس ووزير الدفاع، وأحيانا تحدث خلافات غير معلنة بين القادة العسكريين والقيادة السياسية حول قضايا مثل حجم الجيش، أو الاستعداد للحرب، أو تسليح أوكرانيا، أو التعامل مع إيران، أو الاستراتيجية تجاه الصين. هذه الخلافات لا تعلن عادة للرأي العام، لكن نتائجها تظهر أحيانا في شكل "تقاعد مفاجئ"  أو "تغيير قيادة" في توقيت حساس.

إذا وضعنا كل هذه العوامل معا، يمكن القول إن التغييرات المفاجئة في القيادة العسكرية الأمريكية غالبا ما تكون مؤشرا على أن هناك تحولا في التفكير الاستراتيجي أو في بنية الجيش أو في الاستعداد لمرحلة دولية جديدة أكثر توترا. الولايات المتحدة اليوم تتحدث بشكل متزايد عن احتمال مواجهة عسكرية مع الصين خلال العقد القادم، وعن سباق تسلح في مجال الذكاء الاصطناعي والصواريخ الفرط صوتية والحرب الفضائية، وعن ضرورة إعادة بناء القاعدة الصناعية العسكرية استعدادا لحرب طويلة مع دولة قوية، وليس مجرد عمليات عسكرية محدودة كما حدث في الشرق الأوسط.

بمعنى آخر، ما يجري داخل البنتاغون اليوم يشبه إلى حد ما ما جرى في الثلاثينيات قبل الحرب العالمية الثانية، عندما بدأت الدول الكبرى تدرك أن الحرب القادمة ستكون مختلفة تماما عن الحرب السابقة، وأن الجيوش يجب أن تتغير جذريا. في مثل هذه اللحظات التاريخية، تتغير العقائد العسكرية، وتتغير الأسلحة، وتتغير القيادات أيضا. لذلك فإن إحالة قائد عسكري كبير إلى التقاعد قد لا تكون مجرد قرار إداري، بل قد تكون جزءا من إعادة تشكيل الجيش الأمريكي لمرحلة دولية جديدة قد تكون أكثر خطورة من المرحلة التي عاشها العالم بعد نهاية الحرب الباردة.

 

كلمات مفتاحية::
Loading...