
عند دخول الحرب يقوم الطرف الذي قرر بدء الحرب بإعلان أهدافها لتقييم نتائجها بناء على تحقيق ذلك من عدمه، الهدف الأساسي لحرب ترمب على إيران والذي صرح عنه علناً هو اسقاط النظام ونحن نرى تبدل يومي في اشارة إلى هدف ما وانكار أهدافاً أخرى، ولكن النظام لم يسقط وحافظت الدولة على هويتها السياسية والايديولوجية وبقيت إيران متماسكة داخلياً وأظهرت قدرات عسكرية كبيرة لم تكتف بالحاق الأذى بإسرائيل بل سيطرت على أهم معبر للطاقة مضيق هرمز لتترتب عليه تبعات اقتصادية خطيرة تهدد سلاسل الامدادات والاقتصاد العالمي، والذي أصبح هدفاً لاحقاً بالسعي لفتح المضيق أي العودة إلى ما كان عليه الواقع قبل الحرب، اذن أمريكا لم تحقق الأهداف التي كانت تريد أن تحققها وهذا فشل وان كان أنياً وبالتالي لابد من التعويض عن هذا الفشل بعمل سواء كان استعراضياً أم لا!!.
لا أحد يعلم ماذا يدور في رأس ترمب ربما نفسه لا يدري كيف ستجري الأمور فهناك تخبط بالسياسة الأمريكية وانقسام اتجاه هذه الحرب، نفذ صبر ترمب ويهدد بعد مهلة 48 ساعة لفتح مضيق هرمز أو "الجحيم العظيم" على إيران، وكم جحيم توعد به ترمب لغزة من قبل!!، أخذه الغرور لدرجة الجنون والعته وكأنه خلال40 يوم كان يلقي على إيران الورود وأن الإيرانيون يرسلون إليه رسائل الاستسلام كل يوم، ولكن المسألة هنا ليست استعراضاً، لابد لأمريكا من الانتصار بعد أن تورطت في هذه الحرب التي هي أصلاً لا تخدم مصلحتها الوطنية لا بل تسببت بتهديد المنظومة التي أقامتها في المنطقة وكانت من خلالها هي الراعية أمنياً وعسكرياً واستخباراتياً لكثير من دول الخليج وبشراكات اقتصادية مهمة جداً لها في الشرق الأوسط، تورط ترمب وحاجته الملحة لخروجه منتصراً والا سوف يستجوب داخلياً ويسقط سياسياً، وعلى هذا الأساس نحن أمام مرحلة تصعيدية والساعات القادمة حاسمة وخطيرة جداً.
الاعلان عن ضرب البنى التحتية وتدمير إيران والخشية من نوع الأسلحة المستخدمة قد تكون محرمة دولياً متجاهلاً منظومة القانون الدولي ومكرساً لمعيار القوة، هدف إسرائيلي معلن واستدراج إيران لتدمير الخليج هو أيضاً هدفاً إسرائيلياً ولو بشكل مبطن لأن مشروع إسرائيل الكبرى هو بخراب إيران وجعل دول الخليج بحاجة لإسرائيل "إنعاش اتفاقات ابراهام لرعاية مشاريعها الجيواقتصادية فتحكم الشرق الأوسط بأمر من الرب"، مازال ولا يزال هدف اسقاط النظام هو الهدف الفعلي لأمريكا وإسرائيل وتدمير إيران دون اسقاط النظام ليس انجازاً أو انتصاراً، لأن الحروب تقاس بنتائجها وبأهدافها ولا تقاس بقوة التدمير، نتنياهو خلال سنتين من هستيريا الدم الإسرائيلية قتل ربع سكان قطاع غزة وهو شعب بدون سلاح وتحت الاحتلال ولكنه لم يستطع أن يحقق أهدافه بتفريغ القطاع من سكانه والقضاء على حماس.
إسرائيل الكبرى عند نتنياهو وترمب هي مقدمة لنزول المسيح وهذا مستهجن في الفلسفة السياسية وقد باتت تتقاطع مع أصحاب القرار في إسرائيل وأمريكا، إسرائيل محكومة من تيار ديني متطرف وتواطؤ أمريكي بدا واضحاً ترمب تعهد بتوسيع إسرائيل لتأخذ مداها التوراتي فهذا جزء من عقيدة ادارته المكونة من الانجليك المتشددين "الصقور" تماهي عالي مع المشروع الإسرائيلي، فهذه أمريكا غير التي نعرفها في سياساتها في بنيتها في القيادة التي تديرها وتحكمها، سوء التقدير السياسي والعسكري في أمريكا وإسرائيل وتماهي الجنون الأمريكي مع الجنون الإسرائيلي بالنظرات الغيبية بمعنى أنه ترمب- نتنياهو ينفذا أموراً غيبية وأن الله معهم دون الأخذ بالأسباب، ترمب يرى أنه قوي ولديه قوة عسكرية ساحقة دون دراسة دقيقة للهدف الذي يذهب إليه، ضربة سريعة كفنزويلا بهذه العقلية وجه ضربات محدودة وغير مدروسة استخباراتياً غرر به نتنياهو لاغتيال قادة بالجيش والحرس الثوري ورأس النظام علي خامنئي، "قرارات ترمب لا تحركها الاستراتيجية والتخطيط بل تحركها الأنا وتضخيم الذات، نرجسية وميكافيلية واعتلال نفسي هذا تحليل لمجموعة أطباء نفسيين لحالة ترمب"، هذا يفسر التناقض بإدارة الحرب بعد أن دمر قدرات إيران بنسبة 100% لكنه يطلب من الصين واليابان وأوروبا والعالم أن يرسلوا سفنهم لحماية مضيق هرمز.
عندما تشيخ الامبراطوريات تبلغ ذروة التوحش وتأتي بحسابات خاطئة، في الواقع أن ترمب ورط أمريكا والعالم في كابوس، فالحرب على إيران حرباً ليست كغيرها لم تكن حرب قد استوفت الدراسة لا من الناحية الثقافة الاجتماعية المتعلقة بالبعد الوطني والقومي للشعب الإيراني الذي صدم ترمب فبدل أن ينقلب على النظام تمسك بالنظام، ولا من الناحية السياسية ولا من الناحية العسكرية فكانت ردود إيران متزنة تضرب في مقتل، هذه ليست حرباً انها انهيار لإمبراطورية ويقلب موازيين القوى في المنطقة راساً على عقب استهداف العمق الإسرائيلي لأول مرة منذ تأسيسها ونقل المعركة إلى داخلها كسرت نظرية الردع الإسرائيلي والجيش الذي لا يقهر، واسقاط الطائرات الأمريكية الشبحية بدفاعات جوية إيرانية محلية التي طالما تباهى بها ترمب ليسقط نظرية التفوق الجوي المطلق، أمريكا استزفت أكثر من ألف صاروخ ذكي في أيام قليلة تعويضها سيكلف مليارات الدولارات وسنوات من التصنيع، أمريكا صانعة الحروب تستنزف ذخائرها وتكشف أساليبها القتالية والصين تراقب وتحضر للمواجهة الكبرى في معادلة استراتيجية طويلة الأمد، الحرب تكلف أمريكا 2مليار دولار يومياً وسلاسل الامداد أصيبت بالشلل وأسعار النفط تجاوزت ال118 دولار وبدلاً من البحث عن استراتيجية للخروج من هذا المستنقع يورط العالم بأكبر حرب اقتصادية وركود اقتصادي حتى لا يخسر ترمب صورته!! مازال الرهان على الحكمة لوكان هناك حكمة!.