لماذا يعاني الشرق الأوسط؟ الإجابة التي لا يريد أحد سماعها

 

 

 

هل ما يحدث وما نعيشه اليوم من صراع وحروب قدرٌ جغرافي لا مفر منه، أم نتيجة نظام دولي لا يسمح لهذه المنطقة بأن تكون أكثر من ساحة مفتوحة للصراع؟ فالحرب أو حتى مجرد التهديد بها لا تنفجر من فراغ، بل تكشف من جديد حقيقة ثابتة: الشرق الأوسط ليس فقط مسرحًا للأحداث، بل مساحة تُدار فيها التوازنات الكبرى، غالبًا دون أن يكون لأصحاب الأرض الكلمة الفصل فيها. وما يبدو اليوم صراعًا حول نفوذ أو أمن، يخفي في عمقه نفس المعادلة القديمة: من يملك الموقع والموارد لا يملك بالضرورة القرار. وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الحقيقي الذي يتجاوز اللحظة الراهنة: هل المنطقة رهينة ما تملكه… أم رهينة الطريقة التي يُسمح لها أن تدير به ما تملكه؟

منذ أكثر من قرن، والشرق الأوسط يُقدَّم في السرديات العالمية بوصفه منطقة ملعونة: جغرافيا ملتهبة، تاريخ مثقل بالانقسامات، وثروات تحوّلت من نعمة إلى نقمة. من اتفاقية سايكس بيكو إلى الحروب الحديثة، يبدو وكأن هذه الرقعة من العالم محكومة بدائرة لا تنكسر من الأزمات والصراعات والحروب. لكن ماذا لو كان السؤال نفسه خاطئًا؟ ماذا لو لم تكن المشكلة في الجغرافيا، ولا في التاريخ، ولا حتى في النفط… بل في الطريقة التي يُدار بها كل ذلك داخل نظام دولي لا يُنتج التوازن، بل يعيد إنتاج الهيمنة؟ ماذا لو لم تكن المشكلة في الجغرافيا، ولا في التاريخ، ولا حتى في النفط… بل في الطريقة التي يُدار بها كل ذلك داخل نظام دولي لا يُنتج التوازن، بل يعيد إنتاج الهيمنة؟

غالبًا ما يُعاد تفسير أزمات الشرق الأوسط  وحروبه باعتبارها امتدادًا حتميًا للماضي، وكأن التاريخ سلسلة مغلقة لا يمكن كسرها. تُستدعى الحدود التي رُسمت في مطلع القرن العشرين، وتُحمَّل مسؤولية كل ما تلاها من صراعات. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الجزئية، يُخفي مشكلة أعمق: التاريخ لا يعمل وحده. فهناك مناطق أخرى في هذا العالم، شهدت تقسيمات قسرية وصراعات حادة، بل حروب طاحنة، وتمتيناً لحتميات السيادة، لكنها استطاعت إعادة بناء ذاتها. الفرق لم يكن في التاريخ، بل في كيفية التعامل معه.

إن تحويل الماضي إلى قدر، ليس تفسيرا، بل شكل من أشكال الهروب من مساءلة الحاضر. يقع الشرق الأوسط في قلب العالم، بين قاراته الثلاث، وعلى خطوط التجارة والطاقة. هذا الموقع، الذي يمنحه أهمية استثنائية، يجعله أيضًا عرضة لتنافس القوى الكبرى. تتلاقى هنا أفكار هالفورد ماكيندر حول مركزية الجغرافيا في تشكيل النفوذ العالمي. لكن الجغرافيا، رغم أهميتها، لا تفسر كل شيء. فالموقع نفسه يمكن أن يكون مصدر قوة كما يمكن أن يكون مصدر ضعف. دول أخرى في مواقع استراتيجية استطاعت تحويل الجغرافيا إلى رافعة تنمية، لا إلى ساحة صراع دائم. الفرق، مرة أخرى، ليس في المكان… بل في كيفية إدارته.

مع اكتشاف النفط، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من تاريخها. لم تعد مجرد ممر جغرافي، بل أصبحت خزانًا للطاقة العالمية. غير أن هذه الثروة، بدل أن تكون أساسًا للاستقلال، تحولت في كثير من الأحيان إلى عامل جذب للتدخل الخارجي. تكشف أحداث مثل حرب الخليج الثانية كيف يمكن للموارد أن تتحول إلى محور صراع دولي. ومع الوقت، نشأت اقتصادات ريعية تعتمد على العائدات أكثر مما تعتمد على الإنتاج، ما أضعف بناء مؤسسات قادرة على الاستدامة. لكن المشكلة ليست في النفط نفسه، بل في طبيعة العلاقة التي نشأت حوله: من يملكه لا يتحكم دائمًا في شروط استخدامه.

إذا كان الشرق الأوسط يمتلك الموقع والموارد، فلماذا لا يمتلك القرار؟ للإجابة، لا بد من النظر إلى بنية النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تركزت القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية في يد عدد محدود من الدول.

في هذا السياق، تصبح الدول الأضعف جزءًا من شبكة علاقات غير متكافئة: أمن مقابل تبعية، حماية مقابل نفوذ، واستقرار مشروط بتنازلات. لكن العامل الخارجي لا يكفي وحده لتفسير المشهد. فالهشاشة الداخلية بما تتضمنه من انقسامات سياسية وضعف مؤسساتي تجعل من الصعب تحويل الموارد إلى أدوات سيادة حقيقية. ويكفي النظر إلى التصعيدات الأخيرة المرتبطة بـ إيران، حيث تُرسم ملامح المواجهة إقليميًا ودوليًا، بينما تظل دول المنطقة في موقع المتأثر أكثر من كونها صانعة للمشهد. فحتى عندما تدور الأحداث داخل الجغرافيا، لا يُصاغ مسارها دائمًا داخلها.

لا يمكن إغفال دور النخب السياسية في المنطقة، ليس فقط من حيث ما تواجهه من ضغوط، بل أيضًا من حيث الخيارات التي تتخذها. في كثير من الحالات، لم تُستثمر الموارد لبناء اقتصاد منتج أو مؤسسات قوية، بل لإعادة إنتاج أنماط حكم قصيرة المدى. وهنا تتقاطع المصالح الداخلية مع الضغوط الخارجية، في معادلة معقدة يصعب كسرها. ليست المشكلة إذًا في غياب الفرص، بل في كيفية التعامل معها.

ربما كانت أكبر مغالطة في الحديث عن الشرق الأوسط هي اختزاله في فكرة اللعنة، سواء كانت لعنة الجغرافيا أو لعنة الموارد أو لعنة التاريخ. فاللعنة، كمفهوم، تُلغي المسؤولية. بينما الواقع يشير إلى شيء أكثر تعقيدًا: تفاعل مستمر بين عوامل داخلية وخارجية، بين ما يُفرض من الخارج وما يُعاد إنتاجه من الداخل.

في النهاية، لا تبدو معاناة الشرق الأوسط قدرًا محتومًا، بل نتيجة معادلة لم تُكسر بعد: امتلاك بلا سيطرة، وتأثير بلا قرار. الجغرافيا لا تقاتل، والنفط لا يقرّر، والتاريخ لا يعيد نفسه من تلقاء ذاته. ما يصنع الفارق هو القدرة على تحويل هذه العناصر من عبء إلى قوة، ومن ساحة تنافس إلى مشروع مستقل. السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا يعاني الشرق الأوسط؟ بل: متى، وكيف، يستطيع أن يعيد تعريف نفسه خارج سردية اللعنة التي طالما حُبس داخلها؟

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...