
مع اقتراب ذكرى النكبة الفلسطينية، وبالتزامن مع انعقاد المؤتمر الثامن لحركة فتح، يمرّ الفلسطينيون بلحظة تجمع بين استحضار الماضي والتفكير في الحاضر. فهي محطة تدعو إلى التأمل في ما حدث وما يجري اليوم، وإلى طرح أسئلة حول القدرة على الاستمرار والتجدد في ظل واقع معقّد، وكيف يمكن للحركة الوطنية أن تطوّر نفسها لتواجه التحديات وتعيد تحديد دورها في هذه المرحلة.
يُناط بالمؤتمر الثامن لحركة فتح تقييم الواقع التنظيمي والسياسي، ووضع الأطر العامة التي تنظم إدارة التباين في الرؤى والأساليب داخل الحركة، بما يضمن توجيه هذا التنوع لخدمة الهدف الوطني في إقامة دولة فلسطينية وإنهاء الاحتلال، وتعزيز وحدة القرار، ومنع تحول الاختلاف إلى مصدر ارتباك في المسار التنظيمي والسياسي. غير أن هذه المهمة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن سؤال أعمق: كيف تحافظ حركة تحرر وطني على حيويتها النقدية في عالم يميل إلى إنتاج الامتثال وإعادة تدوير الواقع القائم؟.
هنا تبرز أهمية استدعاء أفكار الفيلسوف "هربرت ماركوزه"، خصوصاً في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد"، حيث يُحذّر من أن الأنظمة الحديثة لا تفرض هيمنتها بالقوة المباشرة فقط، بل عبر تشكيل وعي الأفراد وجعلهم أكثر قابلية للتكيّف مع الواقع القائم، من خلال الإعلام، وأنماط الاستهلاك، وضغوط الحياة اليومية، واللغة التي تُعيد إنتاج المسلمات بدل مساءلتها.
في الحالة الفلسطينية، تبدو هذه الفكرة شديدة الصلة. فثمة خطر دائم من أن يتحول العمل السياسي إلى ممارسة روتينية، تكتفي بإدارة الواقع بدل تغييره، خصوصاً في ظل تعقيدات المشهد الداخلي، وضغوط الإقليم، والتحولات الدولية، والتعب الجمعي الذي يراكمه الاحتلال عبر الزمن.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ضغوط الاحتلال، بل في أن تتسلّل هذه الضغوط إلى الوعي ذاته، فتُنتج نمطاً من التفكير السياسي أحادي البعد؛ تفكيراً ينشغل بالتكيّف مع الممكن إلى حد نسيان الضروري، ويغرق في إدارة اليومي على حساب الأفق التحرري. ومن هنا، تصبح الحاجة إلى المسافة النقدية داخل الحركة ضرورة وجودية، فحركة تحرر لا تمتلك قدرة دائمة على مراجعة ذاتها، وإعادة تقييم أدواتها وخطابها وأولوياتها، معرّضة تدريجياً للتحول إلى كيان يُحافظ على ذاته أكثر مما يدفع نحو التغيير.
ولعلّ أحد أهم دروس "ماركوزه " أن الثقافة واللغة ليستا محايدتين؛ إذ يمكن لهما أن تتحولا إلى أدوات لتثبيت الواقع وتبريره. وهذا يضع الحركة الوطنية أمام سؤال جوهري: هل يظل خطابها موجّهاً نحو التحرر والتجديد، أم ينزلق تدريجياً إلى لغة تفسير الواقع وتبريره؟
إن الحفاظ على روح النقد، والانفتاح على التعددية الفكرية، وتشجيع المبادرات المختلفة داخل الحركة، ليست تهديداً لوحدتها، بل شرطاً من شروط حيويتها. فالاختلاف حين يُدار ضمن أطر سياسية وتنظيمية واضحة، يتحول إلى طاقة تجديد، لا إلى مصدر انقسام.
ويكتسب انعقاد المؤتمر الثامن بالتزامن مع ذكرى النكبة بُعداً رمزياً وسياسياً خاصاً، فهو يربط اللحظة الراهنة بجذور القضية الفلسطينية، ويذكّر بأن المشروع الوطني لم يولد من فراغ، بل من تجربة اقتلاع تاريخية بدأت عام 1948، وما زالت مستمرة بأشكال متعددة. فالنكبة ليست حدث وانتهى؛ بل بنية استعمارية متواصلة تُعيد إنتاج ذاتها عبر الاحتلال والاستيطان والحصار، إلى جانب محاولات محو الوجود الفلسطيني مادياً ورمزياً.
وفي هذا السياق، يكتسب المؤتمر دلالة إضافية عبر التأكيد أن الخطاب الفتحاوي الوطني لا ينفصل عن جذور المسألة الاستعمارية، وأن الفلسطيني ليس مجرد ضحية في سردية الألم، بل فاعل في التاريخ، يمتلك القدرة على المقاومة وإعادة إنتاج المعنى. لكن الرمزية وحدها لا تكفي، فكل لحظة ذات حمولة تاريخية كبيرة تضع أصحابها أمام امتحان أكثر صرامة: هل يمكن تحويل الرموز إلى سياسات؟ والذاكرة إلى وعي؟ والمؤتمر إلى محطة مراجعة فعلية لا مجرد استحقاق تنظيمي؟.
هنا تحديداً تتحدد المعركة الأهم... فمعركتنا ليست فقط ضد منظومة استعمارية تسعى إلى إلغاء وجودنا، بل أيضاً ضد كل أشكال الوعي المريض التي تُنتجها الهزيمة الطويلة، والتطبيع مع الاستثناء، والاعتياد على الواقع المشوّه.
نحتاج إلى وعي جديد يعيد وصل السياسة بالأفق التحرري، والتنظيم بالفكرة، والذاكرة بالفعل.. وعي لا يكتفي بإدارة الممكن، بل يُسائل حدوده باستمرار، ويؤمن أن النكبة، وإن كانت مستمرة، فهي ليست قدراً محتوماً. فما دام الفلسطيني قادر على إنتاج معرفة نقدية، وصون ذاكرته، وتجديد أدواته السياسية، فإن المشروع الوطني يظل مفتوحاً على المستقبل.
وعيٌ جديد يُبدّد وعياً مريضاً… تلك هي معركتنا الأهم...