الحقيقة، بين ضجيج التسريبات وهدوء الوقائع

 

 

السياسات الدولية لا تدار بالشعارات أو التصريحات وحدها بل بتوازنات القوة والمصالح وما نراه اليوم قد يكون فصل من صراع أكبر لم تتضح نهايته، الصراع الدائر بين قوى الغرب الذي تقوده أمريكا والغرب وقوى الشرق الذي تقوده الصين وروسيا وحالة الصراع هي جزء من حالة الصراع الاقتصادي العالمي وهذا ما يضع العالم أمام لحظة تاريخية ومفصلية، نظرة الطرفين لمعظم أزمات العالم مختلفة تماماً فالصين لا تريد أن تكون القطب الأوحد بل تريد الشراكة وخصوصاً في مناطق التوترات في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا الوسطى وافريقيا، بينما الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تثبت قدرتها على القيادة المطلقة على العالم والسيطرة على منطقة المحيط الهادي واستمرارها لعب دور في الحرب الروسية الأوكرانية والصراع في الشرق الأوسط الذي يعيش حالة استعصاء معقدة وخطيرة تهيمن على المنطقة والعالم بأكمله باعتباره أحد أهم مناطق انتاج النفط الرئيسية في العالم، تتداخل فيه العلاقات الاقليمية والدولية وتعكس صراعات القوى الخارجية الساعية للعدوان والهيمنة عليه ومن خلال المعطيات الساخنة والمتغيرات التي تحدث على الواقع تتناغم المواقف وتختلف الاصطفافات والحلفاء.   

الحرب بين المحورين بدأت عسكرياً بأوروبا بالحرب الروسية الأوكرانية ثم انتقل الصراع إلى منطقة الشرق الأوسط عندما بدأت الحرب على إيران محاولة لمنع نفوذ المعسكر الشرقي ومواجهة أي تقارب صيني روسي لحلفاء أمريكا في الشرق الأوسط، وكأن المنعطف الذي بدأ منذ الحرب الأوكرانية وانفصال روسيا عن الغرب وشاركت فيه الصين يستكمل بإيران، لذلك روسيا والصين لن تسمحا بهزيمة إيران لأسباب عديدة يطول شرحها فصمود إيران هو انهزام لأمريكا وتراجعها عن صدارة العالم وانهزام أمريكا في هذه الحرب ستجعل عودة تايوان إلى الصين أسهل فضلاً عن حاجة الصين للطاقة، وضرورة أمن قومي روسي وتجنب النفوذ الأمريكي على حدودها التي تربطها بإيران عبر بحر قزوين، أمريكا جمعت حلفائها في المنطقة ضد المحور الصيني الروسي الإيراني وعند انتهاء هذه الحرب ستنسحب القوات الأمريكية لتسلم قيادة المنطقة لإسرائيل وتتوج نتنياهو ملكاً عليها وتصبح إسرائيل المتحكم الوحيد بالموارد النفطية والثروات، وهذا يتمحور حول إعلان يهودية الدولة التي تعتمد بوجودها على تغيير ملامح الشرق الأوسط، وفرض أذرع ونفوذ في مناطق انتاج البترول في العالم كمصالح استراتيجية لا غنى عنها لاستمرار هيمنة الدولار كعملة عالمية.

ترمب يهدد بتدمير إيران ويطالبها بالاستسلام الكامل بدون شروط ووزير خارجيته مارك روبيو يعلن وقف العملية العسكرية "الغضب الملحمي" وانتهاء الحرب وتعليق عملية فتح مضيق هرمز، ما الذي تغير فجأة وماذا حصل قبل زيارة ترمب للصين المقررة في 14 من الشهر الحالي؟!! عراقجي وزير الخارجية الإيراني يسبق ترمب لزيارة الصين مدخلاً مهماً لمعرفة حجم التأثير الصيني في الأزمة الإيرانية وترسيخ مكانة الصين كقوة عالمية مؤثرة، ترمب يريد التهدئة قبيل الزيارة والعالم يترقب قمة الرئيسيين الأمريكي والصيني ربما يتمخض عنها حلول تكون مرضية لجميع الأطراف.

من مضيق هرمز يتصاعد صراع نفوذ بين أمريكا والصين قد يعيد رسم خريطة القوى الاقتصادية العالمية عندما أعلنت الصين عدم اعترافها بالعقوبات على النفط الإيراني والتي تعتبر أكبر مشتري له90% من صادرات النفط الإيراني للصين، الصين متعطشة للطاقة التي لا تكف شهيتها للمحروقات عن النمو، وسيطرة أمريكا على النفط الفنزويلي وسعيها لسيطرتها على النفط الإيراني يعرض أمنها الطاقي للخطر عبر مضيق هرمز والذي توليه الصين أولوية قصوى، وهناك مشروع قرار أممي يناقش بمجلس الأمن لتدويل أزمة المضيق لتكتسب بعد دولي ووصلت الوقاحة بترمب أنه يريد طرح الحل تحت بند الفصل السابع أي أن هناك مطلب لتدخل دولي في تحد لروسيا والصين والاشتباكات الحذرة بين الطرفين هي جزء من تصعيد خجول وتصنفها أمريكا ضمن الدفاع عن النفس رغم الاعلان عن انهاء العملية العسكرية خوفاً من محاسبة الكونغرس وتهدئة الداخل الأمريكي، حدودها عدم الانجرار إلى حرب اقليمية واسعة، ورسالة ضغط لدفع إيران تقديم تنازلات أكثر.

ترمب أثبت أنه ظاهرة صوتية لا أكثر ولا أقل اعلان مشروع الحرية لفتح مضيق هرمز بالقوة الذي دفع أسعار النفط والغاز للصعود إلى مستويات قياسية وتهديده بمسح إيران، بدءاً من المطالبة من الدول المتضررة لفتحه فلم يلق تفاعل إلى اعلانه السيطرة عليه والتشجيع لدخوله فلم يتجرأ أحد لعبوره إلى تصريحاته بأنه غير متضرر من إغلاقه ثم فرض حصاراً عليه وأخيراً محاولات لاقتحامه واعلان مشروع الحرية فعبرت باخرتين أمريكيتين من أصل 900 باخرة محتجزة فتم الاستيلاء عليها من الجانب الإيراني ففشل المشروع ورفع نبرة التهديد والوعيد كالعادة لحفظ ماء الوجه، الإيرانيون لن يتراجعوا حتى الحصول على تنازلات ملموسة وهم مستعدون للمعركة وستكون المفاجئات أكبر من المعركة السابقة فهم مؤمنون أن هناك معركة أخرى قادمة وهي المعركة الحاسمة، وإيران بفكرها الايديولوجي كنظام وقيادة يروون أنفسهم أمام خيارين النصر أو الشهادة.

بين ضجيج التسريبات وهدوء الوقائع تبقى الحقيقة رهينة ما يجري خلف الأبواب المغلقة، بدايات تبلور قطب عالمي جديد واضحة جداً يعزز تحولاً عميقاً والهدف البترودولار، "سيتشكل كمنظومة من القوى الاقليمية العالمية المتنافسة لا أحادي ولا ثنائي بل ثلاثي أمريكا كقوة مهيمنة في حديقتها الخلفية نصف الكرة الغربي حسب استراتيجيتها وفق مبدأ مورنو مع المحافظة على أذرعها العسكرية والاستخباراتية في الشرق الأوسط ومناطق النفط الحيوية، والصين كقوة اقليمية في شرق أسيا تمتلك أذرع اقتصادية هائلة تمتد إلى القارة الأوربية وتعتمد على استراتيجية الربط بدلاً من السيطرة عبر مبادرة الحزام والطريق، وشريكتها في مواجهة الغرب روسيا كقوة اقليمية في أوراسيا تمتلك أذرعاً جيوسياسية كونها مصدراً رئيسيا للغاز والنفط للقارة الأوربية"، لذلك تمثل الضربة الأمريكية على إيران نقطة فاصلة في تاريخ أمريكا وكيفية بقاءها مهيمنة على العالم، فإذا قضت على النظام الإيراني ستبقى القطب الأوحد، و إذا صمدت إيران ستفقد أمريكا قوة الهيمنة العالمية.

 

Loading...