
منذ اخترع الموبايل وسرى استعماله سريان النار في الهشيم، أصبح فوق خدماته المفترض أنه اخترع من أجلها، كتطوير الاتصال وتسهيله، بين بني البشر على مستوى المعمورة بأسرها، فقد أصبح أحد عوامل التأثير القوية في الرأي العام، ونشر حالةٍ من الفوضى فيه، يبدو التخلّص منها مستحيلاً.
وغير التسريبات التي يتلقاها المواطن عبر موبايله، والتي تتحوّل إلى قضايا رأيٍ عام، دون التحقق من صحتها، فقد دخل على الخط الذكاء الاصطناعي، الذي تجاوز التسريبات ليبلغ في حياة الناس مكانة المصدر المؤثر في نقاشاتهم واستخلاصاتهم، وأخطر ما في الأمر دقّة تقديم الوجبة الإعلامية كما لو أنها حقيقية ودقيقة الصنع بحيث صار صعباً حتى على الخبراء التمييز بين ما يصدره البشر العاديون من معلوماتٍ ومواقف، وما يصدره الذكاء الاصطناعي، بل إن الثاني أكثر دقةً من الأول.
غير أن ما يضاعف الخوف من الظاهرة، أنها أيضاً من صنع الإنسان، هو من يسخّرها لخدمة مقاصده، حتى صار القوة الضاربة التي تعتمدها الدول والأحزاب والحكومات عبر أجهزة مخابراتها، للتأثير على الرأي العام وتوجيهه نحو ما يريده منتج الذكاء الاصطناعي.
في ساحتنا الفلسطينية ونظراً لارتفاع منسوب النزاعات والتنافسات الداخلية، والتسابق على نشر الغسيل، فقد وجد الذكاء الاصطناعي مرتعاً خصباً كي يعمل ويحقق النتائج المرجوّة، وفي حالتنا فالنتيجة الأولى وربما الأخيرة هي إشاعة الفوضى وصبّ الزيت على نار الاقتتال الكلامي، والتشهير بكل شيءٍ حقاً أو باطلاً.
فهل يُنتبه لهذا الجديد المؤثر في حياتنا وهل من خبراء أو علماء يساعدوننا على الحد من تأثيره في وعينا؟ سؤالٌ ليس محيّراً لنا وحدنا، بل للبشرية كلها التي أوصلها الذكاء الاصطناعي إلى حالةٍ من عدم اليقين بصحة أي معلومةٍ من عدمها، بل هنالك ما هو أخطر من الفوضى التي يشيعها على مستوى الرأي العام، فبوسعه إذا ما تطوّر أكثر أن يؤثر على كل مرافق الحياة، ما حمل الصحافي العالمي توماس فريدمان أن يقترح على الولايات المتحدة والصين بحث هذا الأمر وإيجاد حلولٍ لأخطاره الراهنة والمستقبلية.
ألا تلاحظون أن كل خبرٍ وتعليقٍ وتحليلٍ وصورة تُنشر، يرافقها سؤال.. هل هذا حقيقي؟ أم ذكاء اصطناعي؟