«حماس»... أسئلة ما بعد التنازل عن الحكم والسلاح

 

 

 

حتى الآن، تتحدث «حماس» بلغة تبرير ما فعلت، تجد من يصدقها، ومن يدحض مقولتها، وهذه حالةٌ طبيعية إزاء حركةٍ سياسيةٍ خاضت تجربةً معقدة، قوامها حكم بلدٍ معزولٍ ومحاصرٍ، والدخول في حربٍ عسكريةٍ مع قوةٍ تمتلك تفوقاً ضوئياً عليها، ليس في السلاح فقط، بل وفي الجغرافيا والتحالفات.

أقدمت «حماس»، وفق حساباتٍ افتراضيةٍ، على أخطر عمليةٍ عسكريةٍ تمّت داخل إسرائيل منذ تأسيسها، وبعد أن أنجزت العملية بنجاحٍ لم تكن أكثر الخيالات جموحاً لتتصوره، شرعت في البحث عن حلفاء أو شركاء، للدخول في حرب ما بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، وعنوانها تحرير الأقصى وإلحاق هزيمةٍ استراتيجيةٍ بإسرائيل.

وحفظاً لماء وجه أدبيات «حزب الله»، استجاب السيد حسن نصر الله، لنداء «حماس»، ودخل حرب الإسناد التي انفرد بها دون غطاءٍ لبنانيٍ كافٍ لها، وبحيادٍ إيرانيٍ استغربته «حماس» قبل غيرها.

وفي منتصف الطريق، استنكف «حزب الله» عن إسناده، لتظلّ «حماس» وحيدةً في مجابهة إسرائيل، التي بدورها لم تتوقف عند ما كانت تتوقف أمامه في كل المعارك السابقة، بل وجدتها سانحةً لحرب إبادةٍ ماديةٍ لـ«حماس»، وسياسيةٍ جذريةٍ للقضية الفلسطينية.

ونظراً للتبني الأميركي لحرب إسرائيل في غزة، وحروبها التي امتدّت إلى جبهاتٍ أخرى، بدا أن مسألة إنهاء الوجود العسكري والسلطوي لـ«حماس» في غزة، مسألة وقتٍ ليس إلا.

قاومت «حماس» قدر ما استطاعت، وألحقت بالاجتياح البري الإسرائيلي خسائر مهمة في الأرواح والمعدّات، غير أنها وهي الحاكمة الفعلية لغزة، عجزت عن توفير أبسط احتياجات الملايين الذين تحكمهم، ما فرض عليها وضعاً بالغ الصعوبة، جعلها تدخل في مسلسل تنازلاتٍ اضطرارية، منذ الإفراج عن أول دفعة محتجزين لديها، وإلى أيامنا هذه التي وصلت فيها التنازلات حدّ إعلان تخلّيها عن حكم غزة، والموافقة على إنهاء دور سلاحها؛ إمّا بتسليمه وإما بتخزينه، بينما إسرائيل التي تحتل ثلاثة أرباع جغرافية غزة، وتسيطر عليها جميعاً بالحصار والنار، رفضت الصيغة طمعاً منها بالحصول على صورة نصرٍ مطلق.

المبادرات التي هي المفردة المحسّنة للتنازلات، تفقد جدواها حين يتأكد الخصم من أنها اضطرارية ولا بدائل لها، أو أنها تتعلق بالصورة وليس بالمضمون.

الصورة التي تريدها «حماس» هي حفظ ماء وجهٍ جرّاء قرار التخلّص من السلاح، وهذا ما لا تسمح به إسرائيل التوّاقة إلى صورةٍ معاكسة، وهي إلحاق الإهانة بـ«حماس» على النحو الذي يمنح نتنياهو منصةً للتباهي، وصدقيةً لادعائه بنصرٍ مطلق، كان وعد الإسرائيليين به منذ الأيام الأولى للحرب.

اضطرت «حماس»، وبفعل قراءة لميزان القوى بينها أو بين من تبقى منها على أرض غزة وإسرائيل، إلى أن توافق على كل ما طُلب منها، ومعظمه كانت تصفه سابقاً بالخط الأحمر الذي لا تراجع عنه، ما جعل من تنازلاتها غير ذات جدوى؛ لأنها قُدّمت قبل التأكد من استجابة إسرائيل، وقبولها مبدأ دفع ثمنٍ لها.

إسرائيل وضعت كل ما قدّمته «حماس» في جيبها، واعتبرته رصيداً يصلح للاستعمال في سعيها للحصول على تنازلاتٍ أكثر وأكبر، حتى إن آخر تنازلٍ تمّ بناءً على طلب ترمب عبر مندوبه السامي ملادينوف، الذي وُصف بالاختراق التاريخي رفضته إسرائيل، متذرعةً بأن الاتفاق الذي تم كان بين «حماس» وملادينوف، ولا شأن لها به.

السؤال الذي لا يملك أحدٌ غير «حماس» الإجابة عنه، هو: ما الذي ستفعله بعد تنازلها الاضطراري عن حكم غزة، وكذلك تنازلها عن استخدام السلاح؟ وهو سؤالٌ يتصل بحاضرها ومستقبل وجودها، كما يتصل حتماً بالحالة الفلسطينية بكل مكوناتها.

هل ستبادر طوعاً إلى إعلان تحوّلها إلى العمل السياسي كحزبٍ أو كتشكيلٍ بأي مسمّى، لا صلة له حاضراً ومستقبلاً بالعمل المسلّح؟

هل ستنافس على قيادة الشعب الفلسطيني بعد أن أخذت فرصةً قادت فيها غزة لسنواتٍ طويلةٍ وجرى فيها ما جرى؟

هل ما حدث لغزة يؤهلها لقيادةٍ تشمل الحالة الفلسطينية بكل اتساعها؟

وهل تقبل، ودون أي تحفّظ، شروط محمود عباس للشراكة، وأهم الشروط طبعاً هو الالتزام بما التزمت به منظمة التحرير، دون إغفال شروط الآخرين التي ربما تكون أشد قسوةً من شروط عباس؟

هذه هي أسئلة مرحلة ما بعد حكم غزة، طُرحت عليها في الماضي وقبل «طوفان الأقصى»، وامتنعت عن الإجابة، أمّا الآن فلم يبق مجالٌ للامتناع؛ إذ إن الإجابة كيفما كانت، ستكون مصيريةً وحتمية.

 

 

 

Loading...