الرئيس بين الانتخابات الصعبة وتأجيلها الأصعب

 

يعيش الفلسطينيون في الضفة والقطاع حالةً ملتبسةً بين انتخاباتٍ تشريعيةٍ بدأت إجراءاتها التحضيرية بالفعل، وبين شكٍ يصل لدى كثيرين حدّ اليقين بتأجيلها.

الرئيس عباس هو وحده من يقرر، فهو صاحب المراسيم الذي وجّه بالشروع في تنفيذها عبر لجنة الانتخابات المركزية، وهو من كان قرر إجرائها في السابق وتأجيلها كذلك.

في العام 2021 تبلور إجماعٌ فلسطيني سلطويٌ وفصائليٌ وشعبي، على إجرائها، وتشكّلت أكثر من ثمانيةٍ وعشرين قائمةٍ انتخابية، وسُجّلت فعلاً لدى لجنة الانتخابات المركزية، وقبل الذهاب إلى التصويت بفترةٍ وجيزة، فوجئ الجميع بمرسوم الرئيس بتأجيلها، بسبب عدم سماح إسرائيل بإجرائها في القدس الشرقية، بالصيغة التي جرت بها في الانتخابات السابقة.

اعتبر البعض التأجيل عملاً مبرراً بينما اعتبر البعض الآخر أن القدس كانت ذريعة، بعد أن تبيّن للرئيس ومن خلال مستشاريه أن النتائج لن تكون مواتية.

بعد سنواتٍ على التأجيل قرر الرئيس أخيراً إجراء الانتخابات، وفق تراتبيةٍ جديدة، حيث التشريعي أولاً ثم الوطني تالياً والرئاسية أخيراً.

المتحفظون على الانتخابات والمتحمسون لها اتحدوا أخيراً على خوضها، وشرعوا بالفعل في تشكيل قوائمهم، وإجراء الاتصالات فيما بينهم للتنسيق أو الدمج، وظهرت فكرة قائمةٍ موحدةٍ لجميع الأطياف ولم تلق هذه الفكرة قبولاً، كونها لو طُبّقت بالتقاسم بين القوى فسوف تكون انتخاباتٍ شكليةٍ ولا لزوم لخوضها.

ويبدو أن القوى السياسية والاجتماعية والنقابية ذهبت أخيراً إلى تشكيل قوائمها المستقلة، وإلى أن يأتي موعد تسجيلها النهائي حسب القانون، يقررون في أمر الاندماج أو الاستقلال.

الرئيس عبّاس يتلقّى كل يوم معلوماتٍ حول المعوّقات التي يعرفها جيداً قبل اتخاذه المراسيم، بما في ذلك مسألة القدس، حيث الممانعة الإسرائيلية الأكيدة، وفي الضفة حيث المعوّقات الاحتلالية والاستيطانية المعروفة، وفي غزة حيث الاحتلال الإسرائيلي المباشر الذي زاد عن سبعين بالمائة من أرضها وما عليها، ولم يصدر عنه حتى الآن ما يفيد بالسماح أو المنع، ومما يزيد من قلق الرئيس عباس أن الأمريكيين لم يظهروا إشارةً تشي بتأييدهم لإجراء الانتخابات، بما يتيح له أملاً بضغطٍ على إسرائيل كي تسمح بها ولا تتخذ إجراءاتٍ لإعاقتها.

الانتخابات ومعيقاتها التي يعرفها الرئيس عباس قبل إصداره المراسيم وبعد ذلك، سوف تكون عمليةً صعبةً منذ بدايتها حتى إعلان نتائجها، وإذا كان ممكناً تأمين مراكز الاقتراع من قِبل أمن السلطة في الضفة فالأمر لابد وأن يكون مختلفاً في غزة، حيث لا سلطة على الإطلاق هناك ولا قوّات أمنٍ يُسمح لها بالعمل إن لم يكن في غزة كلها ففي الجزء الذي لا تحتله إسرائيل.

يُطرح على الرئيس عباس فكرة إجراء الانتخابات بذات الطريقة التي جرت بها الانتخابات المحلية، مع علمه بالفارق بين المحلية والعامة، ويُطلب منه أن يدعم فكرة أن تكون انتخابات تحدٍ سياسي، ومع منطقية الفكرة بالمقاييس الكفاحية الشعبية وحتى النخبوية، إلا أنها ليست بالفكرة المحببة للرئيس عباس الذي ميّز عهده بتجنّب الصدامات مع إسرائيل، ولا يرى مزايا لخوض انتخابات تحدٍ لا يُعرف كيف سيكون رد الفعل الإسرائيلي عليها.

الرئيس عباس والحالة هذه واقعٌ بين نارين، نار الانتخابات الصعبة وخصوصاً في غزة، ونار تأجيلها بسبب المعوقات التي تعترضها حيثما تقرر إجراؤها، ولكن أخيراً لابد من قرار، إمّا بالمضي قُدماً في إجرائها، أو تجرّع قرار التأجيل الذي مهما أُتقنت طريقة إخراجه فسوف يُلحق ضرراً فادحا بصدقية السلطة ومراسيم رئيسها، وهذا ما يستحق فعلاً القلق الجدي.

الرئيس على ما يبدو ما يزال يفضّل المضي قدماً في الإعداد للانتخابات العامة في كل الوطن، ويحتاج حقاً إلى دعمٍ واضحٍ من الإدارة الأمريكية، يُضاف إلى الدعم الأوروبي المتحمّس، وبذلك تهون ولو نسبياً المعوّقات، ويصبح ممكنا الإصرار على إجرائها وإبعاد فكرة تأجيلها.

ما زال لدينا متسعٌ من الوقت لرؤية كيف ستكون القرارات النهائية بشأنها.

 

 

Loading...