
تمرّ السنوات، وتتبدل الوجوه والخرائط والتحالفات، لكن بعض الرجال لا يغيبون عن الذاكرة، لأن حضورهم لم يكن مرتبطاً بمرحلة عابرة، بل كان مرتبطاً بفكرة وقضية ووعي استثنائي لطبيعة الصراع. ومن هؤلاء سعد صايل، «مارشال فلسطين»، الرجل الذي ارتبط اسمه بالحكمة العسكرية والانضباط والقدرة على قراءة الميدان بعيداً عن الانفعال، والذي ترك بصمته في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ القضية الفلسطينية والمنطقة. وفي لحظة فلسطينية وعربية شديدة التعقيد، قد يكون السؤال مشروعاً: ماذا لو كان سعد صايل بيننا اليوم؟ كيف كان سيقرأ المشهد؟ وأي موقع كان سيختار في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، وفي ظل الحراك العربي المتواصل من أجل الوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية؟ ربما كان صايل، بحكمته وخبرته، سيرى في مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز عام 2002 إطاراً عربياً متكاملاً يمكن البناء عليه، لا باعتبارها تنازلاً عن الحقوق الفلسطينية، بل باعتبارها مبادرة سياسية عربية واضحة المعالم تضع السلام مقابل إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وفق المرجعيات الدولية. وربما كان سيدرك، قبل كثيرين، أن القوة في المرحلة الجديدة ليست فقط في السلاح، وإنما في القدرة على تحويل الموقف العربي الموحد إلى مبادرة سياسية قادرة على مخاطبة العالم بلغة المصالح والقانون والشرعية الدولية.
من هنا، يمكن تخيل سعد صايل، لو كان حياً، وهو يضع خبرته وإرثه في خدمة الحراك السعودي المتواصل بقيادة الأمير محمد بن سلمان، من أجل دفع القضية الفلسطينية نحو هدف الدولة المستقلة، وإبقاء فلسطين في قلب الأولويات العربية والدولية. فالرجل الذي عرف معنى إدارة المعركة في أصعب الظروف كان سيعرف أيضاً أن المعركة السياسية تحتاج إلى قيادة، وإلى صبر، وإلى تنظيم، وإلى القدرة على جمع القوى المتفرقة حول هدف واحد. ولعل القضية التي كان سيحملها بقوة هي قضية الأسرى الفلسطينيين. فمن الصعب تصور رجل مثل سعد صايل يقبل أن تبقى قضية الأسرى مجرد ملف تفاوضي هامشي. كان من المرجح أن يتعامل معها باعتبارها قضية إنسانية ووطنية وسياسية، وأن يسعى إلى إبقائها حاضرة في كل المحافل، العربية والدولية، وأن يحولها من قضية تفاوضية إلى قضية رأي عام وحقوق إنسان وكرامة وطنية. لكن الأهم ربما كان سيكون في قدرته على الاقتراب من الجرح الفلسطيني الداخلي.
فلسطين اليوم تحتاج، إلى جانب الدعم العربي والدولي، إلى ترتيب البيت الفلسطيني على قاعدة الوحدة، لأن الانقسام مهما كانت أسبابه ومرجعياته يبقى واحداً من أكبر التحديات أمام تحويل التضحيات الفلسطينية إلى مشروع سياسي قادر على الوصول إلى الدولة. وسعد صايل، بما عرف عنه من شخصية جامعة وخبرة عسكرية وسياسية، كان يمكن أن يكون واحداً من القلائل القادرين على مخاطبة الفلسطينيين من موقع يتجاوز الانقسام، ويضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات التنظيمية.
ربما كان سيحاول أن يقول للجميع إن فلسطين أكبر من الفصائل، وإن الدولة الفلسطينية تحتاج إلى مظلة وطنية جامعة، وإن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام في المشروع الوطني. وكان يمكن أن يسعى إلى إعادة ترتيب البيت الفلسطيني تحت مظلة عربية داعمة، لا تفرض على الفلسطينيين خياراتهم، بل تساعدهم على الوصول إلى صيغة جامعة تحفظ قرارهم الوطني وتفتح أمامهم أبواب الحل السياسي. وهنا تحديداً تبرز أهمية المظلة العربية المعتدلة والوسطية، التي تستطيع أن تجمع بين التمسك بالحقوق الفلسطينية وبين البحث عن الحلول الواقعية، وأن تنتقل بالقضية من دائرة إدارة الصراع إلى دائرة صناعة الحل.
ولعل سعد صايل، لو كان بيننا، كان سيعرف أن المنطقة تغيرت، وأن أدوات الصراع تغيرت، وأن الدولة الفلسطينية لن تولد من القوة وحدها، ولا من المفاوضات وحدها، بل من تلاقي الإرادة الفلسطينية مع الموقف العربي والدعم الدولي والقدرة على بناء مشروع سياسي متكامل.
كان سيقاتل، ولكن ربما بأسلوب آخر؛ يقاتل من أجل الوحدة، ومن أجل الأسرى، ومن أجل القدس، ومن أجل الدولة، ومن أجل أن يكون القرار الفلسطيني موحداً، ومن أجل أن يكون العرب شركاء حقيقيين في صناعة الحل، لا مجرد متفرجين على مسار الأحداث.
وفي زمن تتسارع فيه التحولات، قد يكون استحضار سعد صايل أكثر من مجرد حنين إلى رجل غاب. إنه استحضار لعقلية ترى أن القضايا الكبرى تحتاج إلى رجال كبار، وإلى حكمة تعرف متى تستخدم القوة، ومتى تستخدم السياسة، ومتى تجمع الاثنين في مشروع واحد.
إن فلسطين اليوم لا تحتاج فقط إلى استعادة الذاكرة، بل تحتاج إلى استعادة بعض القيم التي جسدها رجال مثل سعد صايل: الانضباط، الوحدة، الحكمة، الصبر، وضوح الهدف، والقدرة على تحويل الألم إلى مشروع. إن الأيام تمر سريعاً، وتتغير العناوين، وتتبدل موازين القوى، لكن قامات الكبار تبقى حاضرة في كل الأزمنة، لأن الرجال الذين ارتبطوا بقضايا أكبر من أعمارهم لا تنتهي حكاياتهم برحيلهم وأبا الوليد في مقدمتهم.
رحم الله مارشال فلسطين، أبا الوليد، سعد صايل.