
الخليل- جهاد القواسمي- اصطحبنا الوزير الفلسطيني السابق، خالد العسيلي، ورئيس بلدية الخليل الأسبق، وأخذنا معه عبر كتابه «حكايات لم ترو» برحلة في ذاكرة مدينة الخليل، ذات الذاكرة التاريخية العميقة، وأدخلنا إلى عوالم يمتزج فيها عبق الماضي بحكايات البشر، تحكي قصصًا طالما نبضت بالحياة والتقاليد الأصيلة التي تناقلتها الأجيال، مستعيدًا جانبًا مهمًا من ذاكرة المدينة وتجربة العمل العام الفلسطيني، من خلال محطات مختلفة عاصرها تقاطع فيها العمل السياسي مع الاقتصادي والحياة اليومية مع التحولات الكبرى التي شهدتها فلسطين خلال العقود الماضية، وخاصة عقدي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
شاهد على العصر
وتجاوزت صفحات «حكايات لم ترو» حدود السيرة الذاتية، الذي تداخل فيها العام بالخاص، فكان شاهدًا شخصيًا على العصر، من خلال ما عايشه العسيلي في مواقع المسؤولية المختلفة، حيث جمع في مسيرته بين العمل البلدي والاقتصادي والوطني، ما أتاح له الاطلاع على مستويات متعددة من الحياة العامة، بدءًا من إدارة شؤون مدينة الخليل، مرورًا بالعمل الحكومي في وزارة الاقتصاد الوطني، وصولًا إلى مواقع ومسؤوليات مختلفة في مؤسسات العمل العام، وما رافق تلك المواقع من تحديات وقرارات وتجارب ومحطات بقي بعضها، بعيدًا عن التداول العام، فأظهر ما لا يظهر من حكايات وقصص بقيت حبيسة ذاكرته.
ويحاول العسيلي في «حكايات لم ترو»، الحفاظ على جزء من التفاصيل التي تختزنها طبقات مدينة الخليل المتراكمة من التاريخ السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، من خلال التجارب اليومية للمؤسسات والأفراد، والقرارات التي تتخذ في لحظات محددة، والجهود التي تبذل في ظروف سياسية واقتصادية معقدة، وهي تفاصيل قد تختفي مع مرور الزمن إذا لم تجد من يوثقها، ومن هنا يأتي الكتاب بوصفه محاولة للحفاظ على جزء من هذه التفاصيل، ليس باعتبارها مادة للتذكر فقط، وإنما باعتبارها مصدرًا للمعرفة يمكن للأجيال الجديدة أن تعود إليه لفهم مراحل من تاريخ مدينتها وبلادها.
ويحمل عنوان الكتاب «حكايات لم ترو» دلالة تتجاوز الجانب الأدبي، فهو يوحي بوجود مساحة من التجربة الشخصية لم تجد طريقها إلى الرواية العامة من قبل، وغالبًا ما تكون هذه المساحة هي الأكثر إثارة للاهتمام في كتب المذكرات والشهادات الشخصية، لأنها تكشف ما لا يظهر في البيانات الرسمية أو الأخبار اليومية، وتقدم صورة عن التفاصيل التي تصاحب اتخاذ القرار، وعن التحديات التي تواجه المسؤولين والعاملين في المؤسسات، وفي حالة العسيلي، تتوزع هذه الحكايات على أكثر من مجال، ما بين العمل البلدي والاقتصاد والإدارة والحياة الوطنية، الأمر الذي يجعل الكتاب أقرب إلى سجل شخصي لمرحلة من مراحل العمل العام الفلسطيني، فلا تكمن أهمية هذه الشهادات بالضرورة في كونها رواية نهائية للتاريخ، وإنما في أنها تقدم وجهة نظر شاهد عاش الأحداث من داخل المؤسسات، وهو ما يتيح للأجيال المقبلة مقارنتها بمصادر أخرى وقراءتها ضمن سياقاتها التاريخية.
نافذة
تتجاوز تجربة خالد العسيلي في الكتاب حدود موقعه السابق كرئيس لبلدية الخليل أو وزير للاقتصاد الوطني، لتلامس قضايا أوسع تتعلق بطبيعة الإدارة المحلية، وبناء المؤسسات، والحفاظ على التراث، وإدارة الموارد، ودور الشخصيات العامة في خدمة مدنها ومجتمعاتها، في مدينة مثل الخليل، حيث تتقاطع الذاكرة التاريخية مع التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تبدو الحاجة إلى توثيق تجارب العمل العام أكثر إلحاحًا، لأن كثيرًا من التفاصيل التي تصنع تاريخ المدن لا تظهر في كتب التاريخ التقليدية، فالحكايات التي لم ترو لا تظل مجرد قصص شخصية عندما تتصل بتاريخ مدينة ووطن، بل تتحول إلى جزء من الذاكرة الجماعية، وإلى مادة ثقافية يمكن أن تساعد في فهم مسيرة المؤسسات والأشخاص والقرارات التي شكلت جانبًا من الحياة العامة الفلسطينية.
ومن هنا، فإن الكتاب لا يستعيد الماضي فحسب، وإنما يطرح دعوة ضمنية إلى توثيق التجارب قبل أن تضيع، وإلى النظر في الذاكرة بوصفها مسؤولية ثقافية ووطنية، وتحفظ التفاصيل من النسيان، وتمنح الأجيال المقبلة فرصة لقراءة تاريخ مدينتها وبلادها من خلال شهادات من عاشوا أحداثه وشاركوا في صناعتها.