مقالات مختارة

الخطاب الملكي الذي حسم الموقف | د. جواد العناني

 

 

 

في خطابه المؤثر أمام اجتماع الجمعية العامة الحادي والثمانين للأمم المتحدة، حسم جلالة الملك موقفاً أردنياً سياسياً كان يدور الحديث فيه خلف الأبواب، ونسمع صداه من الشبابيك. والسؤال هو ما هي المحددات التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار حين يرسم الأردن دوره وقراراته حيال القضية الفلسطينية؟

وحتى يوم أمس، الموافق الثاني والعشرين من شهر أيلول/ سيبتمبر 2026، كان الحريصون على الأردن واستقراره وثباته يقولون أن الأردن يجب ألا يتحمل وحده مسؤؤلية الدفاع عن فلسطين وتطلعات أهلها ليكون لهم دولة مستقلة، وذلك لأن الأردن وحده لا يستطيع تحمل ذلك العبء الكبير، ولا يستطيع المرء الرزين إلا أن يقبل بهدف مثل هذا، لأن إضعاف الأردن أو تحميله أعباء فوق طاقته لا يخدم الأردن ولا يقرب أحداً من حل القضية حلاً عادلاً وفقاً لقرار مؤتمر القمة العربية في بيروت العام 2002، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان.

ولكن المعضلة المنطقية في هذا الموقف هي أننا لسنا وحدنا من يقرر حجم الدور الذي يجب أن نضطلع به حيال فلسطين لكي نحافظ على الأردن. وقد أدى هذا الأمر إلى اللبس أحياناً بين الغاية والوسيلة. فالغاية هي الحفاظ على أمن الأردن وكرامة حدوده وضمان تدفق الموارد الأساسية إليه كالماء والنفط والسلع الغذائية الرئيسية. وغيرها من الأمور الهامة. ولكن هل هذا يبقى مضموناً إن حَيَّد المخطط الاستراتيجي الأردني البعد الفلسطيني من المعادلة؟ ولو كنا نحن وحدنا الذين نقرر حجم دورنا لقلنا آمين، ولكن دور الأردن يحدده ديموغرافيته وتاريخه ومستقبله الذي يرتبط بعدة عوامل أهمها علاقاتنا كأردن بالدول المحيطة بنا، ومن هذه الدول فلسطين وسوريا والعراق ودول الخليج.

لم تكن سوريا يوماً جزءاً من الأردن، ولا كان العكس صحيحاً، ولكن التطورات الأخيرة في سوريا أدت إلى زيادة تدفق اللاجئين إلى الأردن، وفتحت المجال أمام رجال المخدرات لكي يَستخدم الأردن ممراً ومقراً لهذه السموم، وأثارت عندنا مشاكل أمنية من أهمها الإرهابيون الذين تجمعوا جنوب سوريا على حدودنا الشمالية. مما أملى علينا أن نتعامل مع هذا الخطر داخل الأراضي السورية معتمدين على حكمة القيادة وعلى جاهزية القوات المسلحة العربية الأردنية.

ونفس الأمر ينطبق على العراق، لما ضاقت بهم السبل وفتحنا حدودنا ومواردنا وطرقنا وبنيتنا التحتية والفوقية خاصة في العقبة لدعم الموقف العراقي في حربه مع إيران عام 1980 إلى 1988، وفي فتح الحدود أمام العراقيين الذين سعوا نحو الأردن بعد حربي الخليج العام 1991 والعام 2003.

ولكن تبقى القضية الفلسطينية أقرب إلينا نسبياً وأكثر أثراً، ولكنها في نفس الوقت أشد تعقيدا بالنسبة لنا في الأردن، فنحن كنا بلداً واحداً حتى قال لنا العرب في مؤتمر الرباط أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. ومع أن الأردن وقيادته لم يرضوا عن ذلك القرار في حينه إلا أنها تقيدت به، وتبين أن بعض المواقف العربية كانت تريد تحميل الشعب الفلسطيني وزر القضية وحده، ولكن ثبت بعد ذلك أن هذا أمر غير ممكن، ومن هنا جاءت المبادرة العربية عام 2002 لتضع مساراً عربياً لها.

وقد تبنى كل من الراحل العظيم صاحب الجلالة الملك الحسين وصاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني الموقف الذي رفض الدخول في تحديد مستقبل العلاقة الأردنية الفلسطينية حتى يحصل الشعب الفلسطيني على حريته ودولته، وعندها تستطيع الدولتان عبر التفاوض أن تصلا إلى تحديد طبيعة العلاقة بدءاً من فكرة المملكة العربية المتحدة إلى فكرة الكونفدرالية كما كان يرسمها دولة المرحوم الدكتور عبد السلام المجالي. ولكن مع التمدد الإسرائيلي داخل الأراضي الفلسطينية، وما جلبه الربيع العربي من هزات عنيفة داخل بعض الدول العربية، إلا أن الأردن أبدى الثبات والمرونة المطلوبتين ليحافظ على أمنه وكرامة حدوده واستقراره، ولذلك برز الأردن كدولة محترمة في هذا العالم حيث يحترم التعهدات ويفي بالوعود ويتمسك بالعمل العربي المشترك ويتبنى كل القيم الإنسانية التي تشكل المرجعية لما يجوز وما لا يجوز، وكسب بذلك احتراماً كبيراً.

وفي الوقت الذي انهارت فيه أنظمة عربية وتجزأت دول أخرى واشتعلت الحروب الداخلية في بعضها وصار لكل همومه وأجندته، حافظ الأردن على وحدته، وفي الوقت الذي حصل الدمار في بلدان عربية كان الأردن ينمو، وفي الوقت الذي تذبذبت فيه القيم حافظ الأردن على موقفه الخلقي الرفيع مما أكسبه احترام العالم.

ولم يأت هذا بدون ثمن، فقد استقبلنا أكثر من ثلاثة مليون لاجئ عربي، فتحت لهم في الأردن فرص العمل والحياة الكريمة، وفي نفس الوقت رأينا عزماً يستحق الاحترام لدى الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال البغيض .ومن مصرع إسحاق رابين، تولت القيادة في إسرائيل شرذمة تطاولت على حقوق الفلسطينيين وضغطت عليهم بالقتل والمصادرة وتهديد المباني والمدارس والجوامع والكنائس والجامعات والمستشفيات وتجريف التربة وبناء مستعمرات جديدة وتسمين أخرى والربط بينها بحيث تضيق الخناق على الفلسطنيين.

وجرى هذا الأمر حتى وصلنا إلى الحالة التي نحن عليها حالياً، ولا يمكن أن يتجاهل الملك الحليم الصبور عبد الله الثاني ما يراه من العذاب الذي تمارسه إسرائيل على الشعب الفلسطيني لكي تصادر مستقبله وتدفعه إلى الخروج من فلسطين. وقد ربط جلالة الملك في خطابه بين ما يجري في الضفة الغربية بما يجري في قطاع غزة، مؤكداً أن المخطط الإسرائيلي والحكومة المتطرفة فيها هو إفراغ الأرض من سكانها الحقيقيين. وهنا بدا واضحاً للعيان بما لا يقبل الظن أو الشك أن الأردن يكون أكثر أمناً وسلاماً في حالة نيل أهل فلسطين لحقوقهم وأن يكون الأردنيون والفلسطينيون شركاء وجيراناً أفضل لهم ألف مرة من العودة إلى المعادلة التي تريد إسرائيل فرضها بأن الأردن هو فلسطين، أو أي شعار تافه شبيه بهذا الشعار.

إذن، فالموقف الإسرائيلي الحالي وطموحاتها في بناء إسرائيل الكبرى لم يعد مجرد أضغاث أحلام لدى المتطرفين وغيرهم، وإنما صار في قناعتهم هدفاً قريب المنال، وأن هذه هي فرصتهم التاريخية لتحقيق ذلك. والأنكى من ذلك هو أن الإدارة الأمريكية الحالية ومعها بعض الدول الأوروبية ما تزال تصم أذانها وتغلق عيونها على ما يرتكب يومياً من فظائع ضد الفلسطينيين، ولهذا أصبح الأمر مقلقاً أردنياً ويشكل التحدي الجديد لشعبه وقيادته وقواته المسلحة.

لهذا، ومن منطلق عربي لقائد هاشمي، وبسبب ما يمكن أن تؤدي إليه الظروف الحالية إن استمرت من تهديد للأردن، أطلق الملك صرخة مدوية متهمة العالم بالنفاق وبعدم حل القضية الفلسطينية حلاً يأخذ الشعب الفلسطيني بعين الاعتبار والمساواة، وطوى هذا العالم صفحة العدالة والحقوق المشروعة والمبادئ الإنسانية عندما يتعلق الأمر بالحق العربي وبخاصة الفلسطيني رغم فداحة العدوان عليه، ورغم أن إسرائيل تمارس كل الأفعال الشائنة التي خُلقت الأمم المتحدة من أجل التصدي لها ومحاربتها.

خطاب جلالة الملك حسمَ الأمر وقال أن لنا دوراً في القضية الفلسطينية لأن أمن فلسطين وتبات أهلها على أرضهم صار مكوناً أساسياً من أمن الأردن، ولهذا تحركت الدبلوماسية الأردنية. ولم يكن صمت الأردن في بعض الفترات إلا انتظاراً للحظة المناسبة التاريخية ليقول لهم أنا الأردن ولحمي مر وقدرتي الدفاعية عالية الهمة وموقفنا في القضية الفلسطينية واضح ويعمل بعقلانية وبفاعلية حتى يكون مؤثراً وليس مجرد مكاء وتصديه.

الوصاية الهاشمية وقضية "الأونروا" والحفاظ على خدماتها، وتعزيز منعة الشعب الفلسطيني هي الآن أدوات أردنية من أجل حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية ومن أجل تثبيت الشعب الفلسطيني على أرضه ومن أجل الحفاظ على موارد الأردن المائية.

شكرا لجلالة الملك عبد الله الثاني وللدبلوماسية الأردنية على مواقفها القوية خاصة في هذه الدورة للجمعية العامة للأمم المتحدة. وهناك فرصة تاريخية لأننا استمعنا من قادة مهمين في العالم تتقارب مع الموقف الأردني. وقد جاء خطاب جلالة الملك وبعض الزعماء العرب قوياً ليقول للقادة الذين بدأوا يدركون فداحة الإجرام الذي تمارسه الحكومة الإسرائيلية أن دولا عربية تتجاوب معهم وتقدر مواقفهم.

خطاب جلالته باختصار لم يكن خطاباً ملكياً فحسب، بل كان في رأيي ملك الخطابات.

 

 

 

Loading...