مقالات مختارة

سينتهي الاحتلال الإسرائيلي مثلما انتهى الاحتلال الفرنسي للجزائر " أوري درومي

 

 

 

انضممتُ، الأسبوع الماضي، لجولة في غور الأردن نظمها اللواء (احتياط) يعقوب أور (مندي). هذا جهد فردي وتطوعي، نجح في جلب مئات الإسرائيليين إلى الضفة الغربية ليشاهدوا بأم أعينهم ما تفعله "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" بسكان البلاد غير اليهود. في إحاطة الصباح حذّرنا من أنه بعد انتهاء الجولة سنكون مختلفين: لن نتمكن بعد الآن من الادعاء بأننا لم نكن نعرف ما يحدث في عقر دارنا، وباسمنا. وقال إنه يعرف ما يقول.
يمكن للمرء أن يقرأ لسنوات زاوية "منطقة الشفق" لجدعون ليفي في "هآرتس"، ويصك أسنانه حزناً.
ولكن جولة واحدة في وضح النهار تغير كل شيء. في يوم واحد طويل شاهدنا وسمعنا كل شيء: إزعاجاً، سرقة قطعان، ضرباً، إحراق سيارات، تخريب موسم قطف الزيتون وسرقة الزيتون.
يقف الجيش والشرطة مكتوفي الأيدي في أفضل الحالات، ويزعجون المشتكي في أسوأ الحالات.
من خلال الحالات الفردية تتضح الصورة الكاملة: هذه ليست أعمال شغب محلية خرجت عن السيطرة، بل جهد متعمد للدولة، بإرشاد من خطة الحسم لبتسلئيل سموتريتش، التي تهدف إلى تطهير الضفة الغربية من سكانها الفلسطينيين وتحويل من بقي منهم إلى رعايا دون حقوق.
دائماً رأيت أنه من الجيد التفكير في محاولة فرنسا السيطرة على شعب آخر في الجزائر.
ورغم الاختلافات الواضحة، ربما يمكن استخلاص بعض الدروس. مثلاً، أجبر الفرنسيون في الجزائر السكان المحليين على مغادرة قراهم، لكن خلافاً لما يحدث عندنا لم تكن نيتهم طردهم من بلادهم.
تعلّم الفرنسيون الدرس من الحرب في الهند الصينية. فقد أدركوا أنه من أجل مكافحة تمرد و"إرهاب" جبهة التحرير الوطني الجزائرية بشكل ناجع، كان يجب عليهم خلق فجوة بينهم وبين السكان.
ومثلما قال الزعيم الصيني، ماو تسي تونغ: "هم يسبحون بينهم مثل السمك في الماء".
لذلك فإنه كجزء من محاولة إحلال السلام تم نقل قرى بالكامل وتمت إعادة بنائها وأُحيطت بسياج وأُقيمت فيها مدارس وعيادات ومبانٍ عامة، أدارها ضباط "القبعات الزرقاء"، وهم موظفو إدارة مدنية، ممن كانوا يحظون بتقدير كبير من السكان المحليين.
رجل "البلماخ"، يهودا هورام، الذي عمل مبعوثاً سياسياً في السفارة الإسرائيلية في باريس، قام بزيارة الجزائر في العام 1959، وكتب: "هذا مشروع ضخم وفريد في نوعه، يهدف إلى رفع مستوى عيش سكان الريف. لقد أصبح الجيش عاملاً تعليمياً وبناءً، فهو يكرس لهذا المشروع القدر ذاته من الجهد الذي يبذله في العمليات العسكرية الخالصة... لا شك في أن السكان يدركون التقدم الاقتصادي والاجتماعي الكبير الذي تحقق".
في نهاية المطاف ذهبت كل الجهود هباء عندما قرر الرئيس الفرنسي، تشارل ديغول، الانسحاب من الجزائر.
ولكن ذلك يرمز إلى فرق أساسي آخر بين التجربة الفرنسية - الجزائرية والتجربة الإسرائيلية – الفلسطينية.
فقد سعت فرنسا إلى قمع الانتفاضة في الجزائر، لكنها لم ترغب في قمع الشعب، بل على العكس؛ أرادت مساعدته.
في حين أننا نحن، بقسوة شديدة، نقمع كل الفلسطينيين، ونسعى إلى جعل حياتهم بائسة، ونقوم بتجويعهم، وفي نهاية المطاف طردهم، أولاً من بيوتهم وبعد ذلك من البلاد.
فكرتُ في كل ذلك في حمام المالح، وهو حمام قديم تابع للكنيسة اللاتينية.
سمح لعائلتين فلسطينيتين بالعيش هناك، وبمساعدة الاتحاد الأوروبي تم بناء مدرسة صغيرة لخدمة الأولاد العرب في المنطقة، وفوق التلة التي تطل على كل المنطقة يوجد موقع عسكري، وإلى جانبه بتناغم تام، توجد مزارع للمستوطنين.
ذات ليلة جاءت الجرافات وقامت بهدم المدرسة. تم رمي دفاتر وكتب الطلاب في مبنى الحمام.
حدثنا مندي أور، الذي غادر والده ألمانيا عندما بدأ النازيون باضطهاد اليهود، عن أم يهودية، كانت تضع غطاء الرأس اليهودي، شجعت أولادها على سرقة الدفاتر والقرطاسية من هناك. وعندما سألها عن ذلك أجابت: "هذه لنا".
انتهت القصة الفرنسية في الجزائر عندما أوضح الرئيس الأميركي، جون كنيدي، الذي انتخب في العام 1960، لشارل ديغول أنه لا توجد طريقة للولايات المتحدة لدعم مشروع فرنسا الاستعماري، في الوقت الذي كان فيه العالم الثالث كله يستيقظ ويطالب بالاستقلال.
سيحدث لنا الأمر ذاته عندما سيبلغ الرئيس الأميركي، الذي يفترض أنه ديمقراطي، إسرائيل بأن الأميركيين سئموا من دعم دولة تنتهك بشكل صارخ كل المعايير الإنسانية.
وعندما سيتم فرض عقوبات على إسرائيل، مثل العقوبات التي فرضت على جنوب إفريقيا في فترة الفصل العنصري، ويتم منع الإسرائيليين من السفر إلى أي مكان في العالم. عندها ستنتهي قصتنا أيضاً. ولكن حتى يأتي ذلك الوقت إلى أين سنأخذ هذا العار؟

عن "هآرتس" 

 

 

 

 

كلمات مفتاحية::
Loading...