مقالات مختارة

إسرائيل تندفع بأقصى سرعتها نحو الهاوية ! | ميخائيل ميلشتاين*

 

 

 

لا توجد قضية أُخرى كالقضية الفلسطينية تُظهر مدى تضرر قدرة الإسرائيليين على اختبار الواقع منذ 7 تشرين الأول، وكيف حلّ الإدمان على الأوهام والشعارات محل التفكير المعقد والمتزن.
إنها قضية وجودية بالنسبة إلى الإسرائيليين؛ فمن جهة، تفرض هذه القضية نقاشاً واتخاذ قرارات صعبة، لكن من جهة أُخرى تركت آثاراً مؤلمة في كل مَن تعامل معها، وهو ما دفع كثيرين في الماضي، ويدفعهم الآن أيضاً، إلى التهرب من الخوض فيها.
ويجري النقاش بشأن هذه القضية اليوم داخل فقاعة بيننا وبين أنفسنا؛ فالإسرائيليون الذين ما زالوا يحملون آثار صدمة "مجزرة" 7 تشرين الأول، التي لم تُعالَج نفسياً وجماعياً حتى الآن، والذين يعتقدون اعتقاداً راسخاً بصواب موقفهم، ويؤمنون بأن كل انتقاد لإسرائيل مصدره معاداة السامية والنفاق، يرون أن الرأي العام العالمي لا يهم، وأن موقف الفلسطينيين لا يستحق الاهتمام أصلاً.
إن فحص مواقف معظم الأحزاب الإسرائيلية من القضية الفلسطينية يوضح كيف أصبح التفكير الإسرائيلي جماعياً، وخالياً من علامات الاستفهام الضرورية، في وضع يشبه إلى حد كبير ما كان عليه عشية 7 تشرين الأول. فالأغلبية تؤيد بلا تحفُّظ استمرار الاستيطان في "يهودا" و"السامرة"، بل تعزيزه، وتؤيد عملياً، وإن مع بعض التحفظات الشكلية، "الثورة" التي يقودها بتسلئيل سموتريتش في طريقه إلى إقامة دولة واحدة. كما أن الجميع تقريباً يعارضون قيام دولة فلسطينية، ويؤيدون القضاء على "حماس"، وهو تعبير يحظى بإجماع واسع، لكنه يفتقر إلى توضيح مضمونه العملي وكيفية تحقيقه.
تختفي الأسئلة المعقدة من النقاش، ومنها: ما مصير ثلاثة ملايين فلسطيني إذا فُرضت السيادة الإسرائيلية جزئياً أو كلياً على الضفة الغربية؟ كيف ستكون الحياة في دولة واحدة لا يفصل فيها حاجز بين الشعبين؟ وما معنى وجود نوعين من المواطنة في دولة واحدة، وكيف يمكن تفسير أن ذلك ليس فصلاً عنصرياً (أبارتهايد)؟ وما تبعات "إسقاط" السلطة الفلسطينية، في ظل تحذيرات بنيامين نتنياهو وإسرائيل كاتس من خطر "توجيه البنادق" نحو إسرائيل، وهي تحذيرات لا يتضح إذا ما كانت تستند إلى معلومات استخباراتية فعلية؟
وماذا سيحدث للعلاقات مع العالم العربي إذا جرى الدفع نحو "التهجير الطوعي"؟ وكيف يمكن تنفيذ ذلك دون ارتكاب جرائم حرب؟ وماذا سيحدث عندما يتوقف دعم دونالد ترامب، الذي يتيح لإسرائيل المضي في سياستها الحالية في غزة والضفة الغربية، ويتصاعد الضغط الخارجي، وصولاً إلى العزلة والمقاطعة الشديدتين؟
وما مصير البؤر الاستيطانية و"الثورة الاستيطانية" إذا واجهتا ضغوطاً خارجية غير مسبوقة، بدأت بوادرها تظهر فعلاً؟ وماذا سيحدث إذا جاءت حكومة مستقبلية لتطبيق سياسة مختلفة في الضفة الغربية، استناداً إلى قرار الشعب عبر صناديق الاقتراع؟
يحرص صناع القرار ومعظم المعارضة على عدم مناقشة هذه المعضلات، بالتأكيد ليس عشية الانتخابات، وهم يوحون ضمناً بأن الكشف عن مواقفهم الحقيقية سيكون أسهل بعد الانتخابات، إن كانت لديهم مواقف واضحة أصلاً في الوقت الراهن.
وفي ظل نقاش يخلو من علامات الاستفهام، يجد الإسرائيليون أنفسهم، دون أن يدركوا ذلك، أمام مفارقة عبثية: كل مَن يدعو إلى إجراء نقاش بشأن مستقبل القضية الفلسطينية، فضلاً عن إجراء مفاوضات بشأنها أو الحوار مع الفلسطينيين، يُدان باعتباره شخصاً يتسبب بالكوارث، أو ساذجاً لم يتعلم شيئاً من 7 تشرين الأول. أمّا مَن يجرؤ على الحديث عن دولة فلسطينية فينال بسهولة لقب "الخائن".
في المقابل، يجري تطبيع أفكار إقامة دولة واحدة تمتد من البحر إلى نهر الأردن، أو "التهجير الطوعي"، كما تُناقَش بجدية أفكار توطين الإسرائيليين وضم أراضٍ في لبنان وسورية أو إقامة الهيكل اليهودي مكان المسجد الأقصى. ويرى كثيرون في إسرائيل أن هذه الأفكار معقولة في نهاية المطاف، سواء من حيث إمكانية تنفيذها أو من الناحية الأخلاقية.
إن الأفكار الجديدة ليست مجرد "سياسة خارجية وأمنية مختلفة" أو "تصحيحاً للأخطاء الاستراتيجية السابقة"، بل هي تعبير عن تحول ثقافي وقيمي عميق، يرافقه منح شرعية، غالباً عبر فتاوى دينية، للقيام بأمور كانت تُعَد في الماضي محرّمة ومرفوضة.
ومن هذه الأمور: ممارسة العنف ضد كل مَن يقف في طريق تحقيق السيادة والخلاص الديني، حتى لو كان من اليهود أنفسهم، والتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم جماعة لا تتمتع بحقوق، وإضفاء الشرعية على الاستيلاء على أملاكهم، كمحاصيل الزيتون، وهو أمر أجازه الحاخام دوف ليئور، وتقديس السيطرة على الأرض على حساب الحياة البشرية، إلى جانب الحماسة لمغامرات تشمل "رحلات" استكشافية، وعمليات عبور للحدود، وإقامة بؤر استيطانية.
كل ذلك جزء من مشروع فئوي يستند إلى رؤية إيمانية، ويُفرض على المجتمع الإسرائيلي بأسره، وقد أودى فعلاً بحياة ضحايا، ويبدو أنه سيؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي بصورة أكبر.
إن النموذج الثقافي الذي يتشكل في الضفة الغربية، التي أصبحت أشبه بمنطقة خارجة عن سلطة القانون، ومشبعة بأفكار خلاصية مسيحانية وقومية متشددة، من النوع الذي جلب الدمار إلى اليهود في الماضي، يتجاوز الخط الأخضر ويغير بالتدريج ملامح إسرائيل وهويتها.
وتتجلى الأضرار الناجمة عن هذا النموذج في أعمال العنف الشديدة ضد الفلسطينيين خلال موسم قطاف الزيتون، الذي شهد في نهاية الأسبوع ارتفاعاً قياسياً في حوادث العنف، بما في ذلك الاعتداء على مصورة تعمل في صحيفة "واشنطن بوست" وعلى وفود دبلوماسية أوروبية بالقرب من رام الله.
وكما هو متوقَع، تثير هذه الحوادث إدانات شديدة، وتعزز الانطباع السائد عالمياً بأن إسرائيل تفقد حسها الاستراتيجي واتزانها، وتبتعد عن صورتها المعروفة لتتحول إلى كيان متطرف وعنيف ومثير للقلق.
وتوضح هذه الصورة حجم الضرر الذي لحق بإسرائيل نتيجة عدم إجراء مراجعة شاملة لإخفاقات 7 تشرين الأول.
والمقصود هنا ليس مجرد تحديد المسؤولين عن الإخفاقات أو حصر مواطن الخلل، بل أيضاً إجراء عملية جماعية لمعالجة الصدمة النفسية واستيعاب آثارها.
فثمة مَن يتعمد الإبقاء على مشاعر الخوف والرغبة في الانتقام والطاعة داخل المجتمع، ويمزجها في أوهام القوة والقدرة غير المحدودة على التحرك، والاعتقاد أن الأعداء ضعفاء وسيتلاشى وجودهم، وأن إسرائيل قادرة على الاستمرار في الاعتماد على نفسها وحدها، وفق نموذج "إسبرطة الجديدة". ويضاف إلى ذلك الاعتقاد بأن القيادات الإسرائيلية محقة دائماً، إلى جانب التحذيرات من المؤامرات الخفية والخيانة الداخلية.
إن القطار الإسرائيلي يندفع بكامل سرعته، وبوعي كامل، نحو الهاوية. والموقف من القضية الفلسطينية، الذي يتسم باللامبالاة من جهة وبالأوهام الضارة من جهة أُخرى، هو الوقود الذي يدفعه إلى الأمام.
يجب أن يدرك المواطنون أن الاندفاع إلى الكارثة بات واقعاً، وأن فهم ذلك أمر ضروري. وينبغي أن تكون هذه القضية أيضاً، وربما قبل أي شيء آخر، محوراً أساسياً في الانتخابات.

عن "يديعوت"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب.

 

 

 

Loading...